يواجه تمتع النساء بالحق في السكن اللائق تحديات متعددة حول العالم، بعضها ناتج عن قوانين تمييزية بشكل مباشر، وبعضها الآخر عن سياسات وتشريعات تبدو محايدة لكنها لا تراعي أوضاع النساء واحتياجاتهن، فضلًا عن الأعراف الاجتماعية المنحازة ضدهن. لذلك تثير أي تغييرات جوهرية في سياسات السكن تساؤلات حول آثارها على النساء من الفئات المختلفة. وفي مصر، يكتسب هذا التساؤل أهمية خاصة في ظل إقدام السلطات على تفكيك منظومة الإيجار القديم بإصدار القانون رقم 164 لسنة 2025.
يعرف الميثاق الأفريقي لحقوق النساء الحق في السكن اللائق بأنه حق المرأة في الحصول بالتساوي على السكن والعيش في ظروف حياة مقبولة في بيئة صحية، مع ضمان فرص حصولها على سكن لائق بغض النظر عن حالتها الزوجية. كما يشمل السكن اللائق القدرة على تحمل التكلفة وتوفير الخدمات والمرافق والصلاحية للسكن، ويرتبط بالحقوق المدنية مثل حرية الحركة والتنظيم وحماية الخصوصية. ومن هذا المنطلق، أهدف في هذا المقال إلى التفكير في العلاقة بين النساء والسكن في ظل هذا التحول التشريعي وآثاره المحتملة على حق النساء في السكن اللائق.
خلفية تاريخية
مر نظام الإيجارات القديمة في مصر بتطورات كثيرة بدأت كمنظومة مؤقتة سنة 1920 وتجدد العمل بها سنويا، ثم بنظام التعاقد الحر عام 1925. لكن مع الحرب العالمية الثانية عاد المشرع للتقييد بقوانين مؤقتة بدأت عام 1941 تمنع زيادة الاجرة وتحد من طرد المستأجر، حتى صدور القانون 121 لسنة 1947 كأول تشريع شامل ومستقر لنظام الإيجارات بدون تحديد فترة زمنية لسريانه. بعد قيام الجمهورية وتبني نظام اقتصادي اجتماعي أو اشتراكي النزعة دعمت السلطة الجديدة في ستينات القرن العشرين منظومة التحكم في الإيجارات بمزيد من التشريعات التي خفضت الإيجارات وجعلت العقود ممتدة لأجيال. ورغم توجه الدولة باتجاه الانفتاح الاقتصادي في عهدي السادات ومبارك٬ استمر العمل بهذا النظام بل تم تدعيمه بالقانون رقم 49 لسنة 1977 في عهد السادات، وبقانون الإيجار الموحد رقم 136 لسنة 1981 في عهد مبارك.
بدأ تفكيك منظومة الإيجار المحدد والتوجه للتحرير بالقانون رقم 4 لسنة 1996 وبالتالي أصبح المستأجرون القدامى فئة ثابتة في المجتمع المصري لا تزيد. ثم أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمين مهمين الأول في 1997 والثاني في 2002، حيث قلصت من الامتداد القانوني للعقد وجعلته لجيل واحد فقط، فصار واضحا أنه خلال جيل واحد سينتهي هذا النظام. ثم جرى التخلص من شق آخر ضخم من المنظومة في 2018 بحكم المحكمة الدستورية بعدم مشروعية الإيجار القديم للكيانات الاعتبارية. وبالفعل جرى تعديل القانون٬ وستتحرر كل الوحدات المؤجرة لشخصيات اعتبارية عام 2027. وبالتالي أصبح نظام الإيجار القديم في تراجع ملحوظ٬ فنسبة الأسر التي كانت تعيش عام 1986 في وحدات إيجار قديم -النظام الوحيد آنذاك- كانت 29٪ وفي عام 2017 أصبحت 7٪ فقط من الأسر. ثم جاء حكم المحكمة الدستورية في نوفمبر 2024 بعدم دستورية تثبيت الأجرة على مدار الزمن٬ ودعت المحكمة المشرع إلى سن تشريع جديد ينظم الأجرة، لتتقدم الحكومة بتشريع يقضي تماما على هذا النظام ويصدره البرلمان بالقانون 164 لسنة 2025 الذي لم يكتف برفع الأجرة وإنما تضمن النص على فترة انتقالية لتحرير/فسخ عقود الإيجار القديم كلها بعد فترة انتقالية سبع سنوات للوحدات السكنية وخمس سنوات للوحدات غير السكنية ودعوة شاغلي الوحدات للتقديم على سكن بديل تبنيه الدول، وأضاف أسباب جديدة للإخلاء قبل انتهاء الفترة الانتقالية.
النساء في أنماط الحيازة المختلفة
عالميا تفتقر النساء لأمن الحيازة أكثر من الرجال ففي معظم البلدان “يُمنح الرجل تلقائياً مركز رب الأسرة… ويؤثر ذلك على تحكم المرأة في ممتلكات الزوجية في أثناء الزواج أو عند الانفصال أو الطلاق. وفي ظل عدم الاشتراك في سندات الملكية أو غياب ضمانات الحيازة، تُطرد نساء كثيرات من منازلهن أو أرضهن لدى انفصالهن أو طلاقهن”.
لا يوجد إحصاء في مصر حول نسبة النساء كمستأجرات (عقد الإيجار باسم المرأة) سواء في الإيجار القديم أو الجديد. لكن تتوفر تقديرات لوضع النساء كمالكات. بشكل عام 14٪ من الأسر المصرية تعولها امرأة وفقا للبنك الدولي، لكن نسبة النساء التي تمتلك أصول عقارية حوالي 5٪ فقط سواء بمفردهن أو بالاشتراك مع الرجال مقابل 95٪ للرجال. (5٪) فقط من المصريات المتزوجات بين 15 و49 سنة هن من مالكات المنازل. ونسبة حيازة المصريات للأراضي الزراعية تدور حول ٣٪ وهي نسبة أقل من بلاد عربية أخرى وأقل كثيرا من المتوسط العالمي الذي يصل إلى 20٪.
بالقياس على ذلك يمكننا أن نتوقع أن معظم الأسر المصرية التي تسكن في إيجار سواء قديم أو جديد يكون عقد الإيجار باسم الرجل وليس المرأة. هذا أمر متوقع لأسباب متنوعة منها الاقتصادي (فرق الدخل والثروة بين النساء والرجال) والقانوني (نظام المواريث الذي يميز بين النساء والرجال) والاجتماعي والثقافي الذي يتطلب من الرجل المقبل على الزواج توفير المسكن.
وبالتالي إن كانت العقود في كل الأحوال باسم الرجال فماذا ستخسر النساء من حيث حقهن في السكن اللائق من القضاء على ما تبقى من نظام الإيجار القديم، وهل أنماط السكن الأخرى الموجودة حاليا في المجتمع المصري ملائمة للنساء؟
الإيجارات ما بعد تحرير العلاقة
بتحرير العلاقة بين المالك والمستأجر، وبفرض ترك السيدة للمسكن والبحث عن مكان آخر، فإن هناك ثمة معوقات في الحياة في بيت إيجار جديد يتعلق بفترة التعاقد، التي تتسم بعدم الاستقرار٬ حيث إن أقل من ثلث العقود فقط مدتها أكثر من خمس سنين و”المدة الأكثر شيوعًا… بين سنة وثلاث سنوات”. عدم وجود ضوابط على الأجرة أو فترة العقد أمور يتركها القانون للعرض والطلب. كما يتسم الايجار الجديد أحيانا بمعوقات، مثل عدم كتابة عقود أو إنهاء العقد فجأة أو طلب رفع الأجرة أثناء سريان العقد، أو مكان السكن الذي يقتضي أحيانا أن تغير المرأة نمط معيشتها وتنقلاتها وملابسها.
فالتدخلات العرفية والتحيزات الثقافية ضد سكن النساء لا سيما العازبات اللاتي يعشن مستقلات عن أسرهن -سواء كان لديهن أطفال أو لا- منتشرة ورصدتها العديد من التقارير حتى أنها وصلت لجرائم عنف ضد الساكنات خاصة في مناطق الطبقات الدنيا والمتوسطة. ويتداخل تأثير قوانين الأحوال الشخصية التي تحرم المطلقات وأطفالهن من الحيازة الآمنة للمسكن مع ضعف المنظومة القانونية والشرطية التي تنظم التدخل في حالات العنف ضد النساء مع فوضى الإيجار الجديد ليساهم في حرمان النساء غير المتزوجات من استقرار السكن. باختصار يمكننا القول بثقة إن الإيجار الجديد نظام غير ملائم للنساء سواء من حيث أمن الحيازة أو التكلفة أو الحرية والأمان.
فجوة الأجور بين النساء والرجال
بالنظر الى الوضع الاقتصادي للنساء مقابل الرجال، فإننا نجد فجوة واضحة بين الدخل الشهري لكل منهما، والتي تنتج عن انخفاض مشاركة النساء في قوة العمل حيث لا تتجاوز نسبة النساء في القوة العاملة 18%، مقابل نحو 73% للرجال وفق تقرير البنك الدولي عام 2024.
تبلغ الفجوة بين الجنسين في الأجر بالساعة نحو 4% فقط، لكنها ترتفع إلى أكثر من 20% عند احتساب الدخل الشهري بسبب عمل النساء لساعات أقل نتيجة أعباء الرعاية والمسؤوليات الأسرية. كما تستمر الفجوة حتى بعد التحكم في عوامل التعليم والخبرة، حيث تتراوح بين 13% و26%، وتزداد حدة التفاوت في القطاع الخاص، إذ تحصل النساء على أجور تقل بنحو 38% عن الرجال، مقارنة بحوالي 19% في القطاع العام. وعند احتساب النساء غير المشاركات في سوق العمل، ترتفع الفجوة الفعلية في الدخل الشهري إلى نحو 46%، وهو ما يكشف حجم عدم المساواة الاقتصادية بين الجنسين بصورة أكثر دقة.
إذن ففي حال تساوى الجنسين في توفر المسكن البديل وازالة كل المعوقات القانونية، فإن قدرة النساء على تحمل تكاليف السكن تبقى أقل بكثير من قدرة الرجال على تحمل نفس تكاليف الوحدة السكنية.
النساء غير المتزوجات
لم تتضمن قوانين الإيجار القديم نصوصا خاصة بالمرأة لكنه كان منظومة أسرية، أو كما تقول المحاكم “عقد إيجار المسكن ذو طابع عائلي يضم فيه المستأجر أفراد أسرته” بالتالي يمنح القانون تلقائيا الاستقرار للمرأة مع الرجل كأسرة، لكن ماذا عن غير المتزوجات؟
كان لنساء المستأجر سواء زوجته أو ابنته الأحقية في الاستمرار في شغل المكان طالما بقين في المكان مع عائلهن في حياته على عكس الإيجار الجديد الذي ينتهي بمدة العقد وحتى على خلاف التمليك الذي تحكمه قواعد الإرث في حالة وفاة مالكه ولا يهم إن كان الوريث/ة كان يعيش مع مورثه أم لا.
بالنسبة للمطلقات الحاضنات على سبيل المثال، تصبح المطلقة الحاضن مستحقة للبقاء في مسكن الزوجية مع أطفالها فترة الحضانة على خلاف الإيجار الجديد الذي يجعل الحاضن تذهب للمحكمة تطالب الأب بأجر المسكن حين ينتهي العقد، وقد أثار هذا الأمر نقاشات في مجموعات المستأجرين حول مصير هؤلاء الحاضنات. حتى في الإيجار القديم لغير أغراض السكنى (الأغراض التجارية والإدارية) فإن امتداد عقود الإيجار فيه لها طابع أسري حيث حكمت المحكمة الدستورية في 1997 أن الشركاء ليس لهم حق الامتداد وإنما فقط الابناء والزوج/ة ممن كانوا يمارسون نفس النشاط التجاري مع الأب/الزوج.
إذن فإن التفكيك الذي يمثله القانون الأخير 164 يهدد بحرمان فئة من النساء من السكن المستقر في ظل بدائل غامضة على أفضل تقدير وفي ظل ظروف هشاشة أبرزها كبر السن وانخفاض الدخل والعمل في القطاع غير الرسمي.
التمليك كحل ملائم؟
إن سوق التمليك من القطاع الخاص في مصر كما سوق الإيجار الجديد يخضع للعرض والطلب ولا توجد في تنظيمه اعتبارات اجتماعية من أي نوع تنظم التسعير أو التخصيص. وفي ظل ارتفاع تكاليف البناء وآثار السياسات الاقتصادية الكلية٬ ترتفع الأسعار في سوق التمليك بشكل حاد، كذلك يظل القطاع الخاص هو المهيمن على مشروعات العقارات في مصر بنحو 86% من المشروعات حتى الربع الأخير من عام 2023،. فمثلا “ﻣﺘﻮﺳﻂ اﻷﺳﻌﺎر اﻟﻤﻄﻠﻮﺑﺔ ﻟﻠﺸﻘﻖ ﻓﻲ ﻋﺎم 2023 ﻗﺪ ﺷﻬﺪ زﻳﺎدةً ﺑﻨﺴﺒﺔ 38% ﻋﻦ اﻟﻌﺎم اﻟﺴﺎﺑﻖ”. كذلك٬ توجد ملايين من الوحدات الخاصة المغلقة سواء مباعة أو غير مباعة لا تستطيع الدولة إجبار أصحابها على استخدامها أو تأجيرها أو بيعها ولا تضع القوانين والسياسات الكفيلة بذلك.
بدأ في عام 2014 مشروع المليون وحدة سكنية الذي يُفترض أن يكون موجها إلى أصحاب الدخول الضعيفة. كما تعتبر برامج الإسكان الاجتماعي التي تقدمها الحكومة، هي المشروعات التي تضع معايير خاصة بالنوع الاجتماعي في التخصيص، مثل إعطاء أولوية للأسر التي تعولها نساء وإضافة الإناث العازبات أيضا للمستحقين مما جعل نسبة النساء المستفيدات من البرنامج ترتفع إلى 27٪ في 2020 من 8٪ حين بدأ البرنامج في 2014.
إلا أن النساء سيواجهن عددا من المشاكل في هذا الصدد، منها ما هو مشترك مع الرجال مثل التأخر في تسليم الوحدات السكنية، ومنها ما هو مضاعف بسبب كونهن نساء، مثل القدرة على تحمل التكاليف، بسبب الفجوة الواضحة في أجور الجنسين، وزيادة أسعار وحدات الإسكان الاجتماعي بما لا يتناسب مع دخل الفئات الموجهة لها هذه المشروعات، بالإضافة إلى صعوبة تمويل العاملين في القطاع غير الرسمي، وهم نسبة كبيرة من العاملين بأجر في مصر وخاصة النساء حيث 58٪ من النساء في مصر يعملن في القطاع غير الرسمي وبالتالي تفتقرن لإمكانية التمتع بهذه البرامج أصلا وغيرها من الخدمات.
غير أن ثمة اعتراضات لدى كثير من المستأجرين٬ فالإيجار القديم معظمه موجود في الأحياء القديمة في حضر المحافظات المختلفة أما مشاريع الإسكان الاجتماعي أو إسكان الدولة فيقام “في مناطق بعيدة عن أماكن أعمالهم ودوائر حياتهم اليومية” وبالتالي ستنسلخ الساكنة عن محيطها الاجتماعي المعتاد سواء كانت أرملة أو متزوجة أو عزباء امتد لها عقد الإيجار عن والدها.
عنف الإخلاء
هناك بعد آخر في عملية التفكيك يتعلق بالعنف المتوقع وقت تنفيذ إخلاء السكان بعد مرور مهلة السبع سنوات. مرت مصر بخبرة شبيهة في 1997 حين جرى تحرير عقود الإيجارات الزراعية فاندلعت احتجاجات في شتى أنحاء الريف المصري وتدخلت أجهزة الأمن لتنفيذ طرد المستأجرين وتسليم الأرض للملاك ونتج عنها قتلى ومصابين ومعتقلين، ناهيك عن احتمالات العنف الأهلي بين الملاك والمستأجرين. وتشير الأمم المتحدة إلى أن “الأثر الذي تتركه عمليات الإخلاء.. هو أثر مدمر للغاية على النساء ويرتبط بارتفاع معدلات العنف البدني والنفسي والاقتصادي قبل عمليات الإخلاء وأثناءها وبعدها”
ختاما
يراهن الكثير من المستأجرين على أن المحكمة الدستورية العليا ستعلن بطلان هذا القانون الجديد وخاصة مادة تحرير العلاقة لكنني لست متفائلة بالنظر لاتجاهات المحكمة في عدة أحكام غلبت فيها اعتبارات الحق في الملكية على الاعتبارات الاجتماعية وأرى أن الأمر يحتاج ضغطا كبيرا من المستأجرين القدامى وفي مقدمتهم النساء لدفع السلطة السياسية لتغيير موقفها.
لقد أصدرت السلطة قانونا يفكك ما تبقى من منظومة الإيجار المحدد دون بدائل موثوقة لضمان حق الناس في السكن. وفي رأيي التحول في منظومة الإسكان نحو سوق حر ومنفلت تمامًا والقضاء على ما تبقى من “الإيجار القديم” في مصر أمر يزيد من تهديد حق النساء في السكن اللائق حيث يفكك منظومة اجتماعية “أبوية” تقليدية ولا يوفر لها بديلا اجتماعيا تحريريا أو حتى بديلا سوقيا تقدر غالبية النساء على الحصول عليه.