ملخص
تبحث هذه الورقة في العلاقة البنيوية بين فجوة الأجور الجندرية والقدرة على تحمّل تكاليف السكن في المدن العربية، باعتبارها إحدى الآليات الأساسية التي تُنتج وتُعيد إنتاج الإقصاء الحضري للنساء، وتُقوّض تمتعهن الفعلي بالحق في السكن الملائم والحق في المدينة. وتنطلق الورقة من الإطار القانوني الدولي لحقوق الإنسان، الذي يكرّس السكن الملائم كحق أساسي غير قابل للتمييز، وجزءًا لا يتجزأ من الحق في مستوى معيشي كافٍ، كما ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وقرارات مجلس حقوق الإنسان والمبادئ التوجيهية لتنفيذ الحق في السكن الملائم.
وتؤكد الورقة أن مفهوم السكن الملائم، من منظور حقوقي، لا يقتصر على توافر مسكن من الناحية المادية، بل يشمل عناصر أساسية، في مقدمتها القدرة على تحمّل التكاليف، بما يضمن ألا تؤدي نفقات السكن إلى حرمان الأفراد من التمتع بحقوقهم الأساسية الأخرى. وفي هذا السياق، تكتسب القدرة على تحمّل التكاليف أهمية خاصة عند تحليل أوضاع النساء في المدن، نظرًا لما يواجهنه من عدم مساواة اقتصادية بنيوية في سوق العمل، تتجلى في فجوة الأجور، وضعف المشاركة في العمل الرسمي، وتحمل العبء الأكبر من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر.
تنطلق الورقة من سؤال بحثي رئيسي هو: كيف تؤثر فجوة الأجور بين النساء والرجال على وصول النساء إلى السكن الملائم في المدن العربية؟ وللإجابة على هذا السؤال، تعتمد الورقة منهجًا تحليليًا مقارنًا، من خلال دراسة حالتي مصر وتونس، مع التركيز على السياق الحضري، وأوضاع النساء في سوق العمل، والفجوات الجندرية في الدخل، وتطور تكاليف السكن والخدمات المرتبطة به، وانعكاس ذلك على الاستقرار السكني وأمن الحيازة.
وتُظهر نتائج التحليل أن فجوة الأجور بين النساء والرجال لا تمثل مجرد تفاوت في الدخل، بل تتحول إلى عامل حاسم في تحديد من يستطيع تحمّل تكاليف السكن داخل المدن. ففي مصر، تكشف البيانات أن الفجوة في الدخل الشهري تتجاوز 20% لصالح الرجال، وتصل الفجوة “الحقيقية” إلى مستويات أعلى عند احتساب النساء غير المشاركات في سوق العمل، ما ينعكس في تراجع القدرة النسبية للنساء على الوصول إلى السكن الملائم إلى نحو 80% مقارنة بالرجال. أما في تونس، فرغم أن فجوة الأجور تبدو أقل حدّة، فإنها تظل بنيوية، وتؤدي إلى انخفاض القدرة النسبية للنساء على تحمّل تكاليف السكن إلى نحو 90.6%، في سياق يشهد ارتفاعًا مستمرًا في أسعار العقارات وتكاليف المعيشة الحضرية.
كما تُبرز الورقة أن ارتفاع تكاليف السكن لا يقتصر على الإيجار أو ثمن الوحدة السكنية، بل يشمل أعباء إضافية مرتبطة بالخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والطاقة والصيانة، فضلًا عن تكاليف النقل الناتجة عن السكن في مناطق بعيدة عن فرص العمل والخدمات. وتمثل هذه الأعباء نسبة أكبر من دخل النساء مقارنة بالرجال، ما يزيد من مخاطر فقر الطاقة، وانعدام الاستقرار السكني، والتعرض للإخلاء، خاصة بين النساء المعيلات أو الأسر ذات الدخل الواحد.
وتخلص الورقة إلى أن الإقصاء السكني للنساء في المدن العربية لا يمكن فهمه أو معالجته من خلال سياسات إسكان محايدة ظاهريًا، بل يتطلب مقاربة متكاملة تربط بين سياسات الأجور والعمل، وتنظيم سوق الإسكان، والحماية الاجتماعية، والتخطيط الحضري المستجيب للنوع الاجتماعي. فمعالجة فجوة الأجور تُعد شرطًا أساسيًا لضمان القدرة على تحمّل تكاليف السكن، وإعمال الحق في السكن الملائم للنساء بوصفه حقًا اقتصاديًا واجتماعيًا غير قابل للتجزئة، وجزءًا أصيلًا من الحق في المدينة.
مقدمة
إن السكن الملائم ليس مجرد احتياج مادي، بل حق أساسي من حقوق الإنسان. فقد نصّ العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة (11/1) على التزام الدول الأطراف بضمان الحق في السكن الملائم، باعتباره جزءًا من الحق في مستوى معيشي كافٍ، كما أكد العهد في المادة (3) تمتع النساء والرجال على قدم المساواة بجميع الحقوق الواردة فيه، وألزم الدول بضمان إعمال هذه الحقوق دون أي تمييز، بما في ذلك التمييز على أساس الجنس. وقد أوضحت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في التعليق العام رقم (16) لسنة 2005 أن الحق في المساواة وعدم التمييز يفرض التزامات فورية على الدول ولا يخضع لمبدأ الإعمال التدريجي، ويتطلب تحقيق المساواة القانونية والواقعية معًا.
وفي السياق ذاته، شددت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على التزام الدول الأطراف باتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد النساء في التمتع بظروف معيشية ملائمة، ولا سيما فيما يتعلق بالسكن والخدمات الأساسية المرتبطة به، وذلك في المادة (14/2). كما أكدت قرارات مجلس حقوق الإنسان، ولا سيما القرار رقم 43/14، على ضرورة ضمان المساواة بين النساء والرجال في التمتع بالحق في السكن الملائم باعتباره جزءًا من الحق في مستوى معيشي كافٍ، بما يشمل الوصول المتكافئ إلى الائتمان والرهون العقارية وملكية المساكن والإيجار، مع اتخاذ التدابير اللازمة لحماية النساء من فقدان السكن، خاصة في حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي، وضمان المساواة في حقوق الملكية والميراث.
وعززت المبادئ التوجيهية لتنفيذ الحق في السكن الملائم (2020)، الصادرة عن المقرر الخاص المعني بالحق في السكن الملائم، هذا التوجه الحقوقي، حيث نصّ المبدأ التوجيهي رقم (9) على التزام الدول بضمان المساواة بين النساء والرجال في الوصول إلى الائتمان والدعم وملكية المساكن والإيجار، وضمان الوصول الفوري إلى ملاجئ الطوارئ في حالات العنف الأسري، وحماية حق النساء في البقاء في مساكنهن بغض النظر عن وضع الملكية أو الإيجار، فضلًا عن ضمان مشاركتهن الفعلية في جميع جوانب صنع السياسات المتعلقة بالسكن والتخطيط الحضري والنقل والبنية التحتية.
ورغم هذا الإطار القانوني والحقوقي الواضح، تكشف التجارب الحضرية في العديد من بلدان الجنوب العالمي عن فجوة واسعة بين الالتزامات القانونية والواقع المعاش. فالمدن، بوصفها فضاءات مركزية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لا توزّع الفرص بشكل عادل، بل تُعيد في كثير من الأحيان إنتاج وتكثيف أوجه عدم المساواة، لاسيما تلك المرتبطة بالنوع الاجتماعي. وتواجه النساء، على نحو خاص، أنماطًا بنيوية من الإقصاء الحضري، تتجلى في هشاشة أوضاعهن السكنية، وانعدام أمن الحيازة، وضعف القدرة على تحمّل تكاليف السكن، حتى في غياب سياسات إسكان تمييزية صريحة.
وتتداخل هذه الأشكال من الإقصاء السكني مع عدم المساواة الاقتصادية في سوق العمل، حيث تؤدي فجوة الأجور بين النساء والرجال، إلى جانب الأعباء غير المتكافئة لأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، إلى تقليص القدرة الفعلية للنساء على الوصول إلى السكن الملائم داخل المدن. وفي ظل الارتفاع المستمر لتكاليف السكن والخدمات المرتبطة به، تتحول الفجوة في الدخل إلى عائق مباشر أمام التمتع بالحق في السكن، بما يضع النساء في موقع هشاشة مضاعفة داخل الفضاء الحضري.
ويكتسب مفهوم القدرة على تحمّل التكاليف أهمية محورية في تحليل الحق في السكن الملائم من منظور جندري، إذ لا يُقاس هذا الحق بمجرد توافر مسكن أو توحيد أسعار الإيجارات والوحدات السكنية، بل بمدى قدرة الأفراد على تحمّل تكاليف السكن دون المساس بتمتعهم بحقوقهم الأساسية الأخرى. وبالنسبة للنساء، تؤدي فجوة الأجور في الدخل إلى تقليص القدرة الفعلية على تحمّل تكاليف السكن، حتى في الحالات التي لا يكون فيها تمييز مباشر في سوق الإسكان، مما يجعل القدرة على تحمّل التكاليف آلية مركزية لإنتاج الإقصاء السكني الجندري داخل المدن.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن عدم المساواة في الأجور، وارتفاع تكاليف السكن في المدن، والتمييز البنيوي القائم على النوع الاجتماعي، تشكل مجتمعة آلية رئيسية لإنتاج الإقصاء السكني للنساء، وتقويض تمتعهن بالحق في السكن الملائم والحق في المدينة. وتسعى الورقة إلى الإجابة عن السؤال البحثي: كيف تؤثر فجوة الأجور بين النساء والرجال على وصول النساء إلى السكن الملائم في المدن العربية؟
وللإجابة على هذا السؤال، تعتمد الورقة على تحليل مقارن لحالتي مصر وتونس، مع التركيز على السياق الحضري، وأوضاع النساء في سوق العمل، والفجوات الجندرية في الدخل، وانعكاسات ذلك على القدرة على تحمّل تكاليف السكن والاستقرار السكني، وذلك من منظور نسوي يربط بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والعدالة الحضرية.
الفجوة في أجور الجنسين
الفجوة بين أجور النساء والرجال في مصر
على الرغم من أن النساء تشكل نحو نصف السكان المصريين، الا أن هناك فجوة واضحة في الدخول بينهن وبين الرجال، وفقا لتقرير البنك الدولي[1] 2024، حيث لا تتجاوز نسبة النساء في القوة العاملة 18%، مقابل نحو 73% للرجال. على الرغم من ذلك يشير تحليل النك الدولي أن تقليص الفجوة بين النساء والرجال في معدلات التشغيل من شأنه أن يعزز الاقتصاد المصري بنحو 56%.
تعود هذه الفجوة إلى مجموعة من العوائق الهيكلية والقانونية والاجتماعية الراسخة. إذ تشير الدراسات إلى أن نسبة معتبرة من المجتمع لا تزال تنظر بتحفظ إلى عمل النساء، حيث يعارض 24% من الرجال مشاركة المرأة في سوق العمل. كما تبرز مسؤوليات الرعاية غير مدفوعة الأجر كأحد أبرز القيود، في ظل محدودية خدمات رعاية الأطفال واعتمادها تقليديًا على النساء؛ إذ تُظهر البحوث أن 45% من الرجال و33% من النساء لا يؤيدون الاستعانة بخدمات رعاية الأطفال خارج إطار الأسرة، مما يقيد قدرة النساء على الاندماج في سوق العمل النظامي.
جدول 1 نسبة الفجوة بين أجور النساء والرجال في مصر ـ المصدر: وفقا لبيانات تقرير الفجوة بين الجنسين في مصر 2024
| المؤشر | النسبة |
| الأجر بالساعة (غير مشروط) | 4.1% |
| الأجر الشهري (غير مشروط) | 20% – 21.2% |
| الأجر بالساعة (مشروط بالتعليم والخبرة) | 14.4% |
| الأجر الشهري (مشروط بالتعليم والخبرة) | 13.3% – 26.4% |
| القطاع العام (أجر شهري) | 18.9% |
| القطاع الخاص (أجر شهري) | 37.7% |
| الفجوة “الحقيقية” بالساعة (بعد تصحيح المشاركة) | 32% |
| الفجوة “الحقيقية” شهريًا (بعد تصحيح المشاركة) | 46.1% |
تُظهر بيانات فجوة الأجور في مصر[2] وجود تفاوت واضح بين دخول النساء والرجال، خاصة عند النظر إلى الدخل الشهري وليس الأجر بالساعة. فبينما تبدو الفجوة في الأجر بالساعة محدودة نسبيًا (حوالي 4%)، تتسع الفجوة بشكل كبير عند احتساب الأجر الشهري لتتجاوز 20%، وهو ما يعكس واقع عمل النساء لساعات أقل نتيجة مسؤوليات الرعاية والأعباء الأسرية. كما تكشف البيانات أن هذه الفجوة لا تختفي حتى بعد الأخذ في الاعتبار مستوى التعليم والخبرة، بل تستمر بنسب تتراوح بين 13% و26%، ما يشير إلى وجود تمييز هيكلي في سوق العمل.
وتزداد الفجوة حدة في القطاع الخاص، حيث تحصل النساء على أجور تقل بنحو 38% عن الرجال، مقارنة بنحو 19% في القطاع العام، وهو ما يعكس ضعف الحماية والرقابة على سياسات الأجور في القطاع الخاص. والأهم من ذلك، أنه عند احتساب النساء غير المشاركات في سوق العمل، ترتفع الفجوة الفعلية في الدخل لتصل إلى نحو 46% شهريًا، ما يعني أن الأرقام الرسمية تقلل من حجم عدم المساواة الحقيقي. ويؤكد هذا التفاوت في الدخل أن النساء يواجهن قيودًا اقتصادية جوهرية تؤثر بشكل مباشر على قدرتهن في الوصول إلى السكن الملائم والاستقرار داخل المدن.
الفجوة بين أجور النساء والرجال في تونس
يصل معدل مشاركة النساء التونسيات في القوى العاملة إلى نحو 55.48% مقابل 72.87% للرجال، بفارق يقارب 17.39 نقطة مئوية لصالح الرجال.[3]
جدول 2 فجوة الأجور بين النساء والرجال في تونس
| متوسط الأجر الشهري للنساء | متوسط الأجر الشهري للرجال | الفجوة لصالح الرجال |
| 582.7 | 643.3 | 10.4% |
استنادًا إلى EU Neighbours تُظهر الدراسة الاقتصادية القياسية لسوق العمل التونسي[4] أن فجوة الأجور بين النساء والرجال ما تزال قائمة وبطابع بنيوي واضح. فوفقًا لنتائج التحليل، تبلغ فجوة الأجور الإجمالية حوالي 10.4% لصالح الرجال. ويبلغ المتوسط الهندسي للأجر الشهري للرجال نحو 643.3دينار تونسي، مقابل 582.7 دينار تونسي للنساء، ما يعكس تفاوتًا ملموسًا في مستويات الدخل داخل سوق العمل.
وتكتسب هذه الفجوة دلالة أعمق عند تحليل مكوّناتها، إذ تكشف الدراسة أن الجزء الأكبر منها لا يمكن تفسيره بالخصائص الموضوعية للعاملين. فعلى الرغم من أن الفجوة الظاهرة تبلغ 10.4%، فإن التحليل يُظهر أن نحو 13.9% من فجوة الأجور يُعد جزءًا غير مفسَّر إحصائيًا، ولا يرتبط بعوامل مثل التعليم أو الخبرة أو الخصائص المهنية، وهو ما يُرجَّح إرجاعه إلى تمييز قائم على النوع الاجتماعي في سوق العمل التونسي. ويشير ذلك إلى أن النساء لا يحصلن على الأجر نفسه حتى عندما يمتلكن خصائص مماثلة لنظرائهن من الرجال.
كما يبيّن تحليل تفكيك الفجوة أن عددًا من العوامل الهيكلية يسهم بدرجات متفاوتة في اتساع فجوة الأجور. ويبرز عامل العمر كأحد أكثر المحددات تأثيرًا، حيث يستفيد الرجال بشكل أكبر من التقدم في السن وتراكم الخبرة مقارنة بالنساء. كذلك يلعب القطاع الاقتصادي دورًا محوريًا، إذ تتركز النساء في قطاعات ذات أجور أقل، ما يحد من متوسط دخولهن. ويُضاف إلى ذلك أثر نوع العقد، حيث تواجه النساء نسبًا أعلى من العمل غير المستقر أو العقود الأقل حماية، فضلًا عن دور مستوى التعليم الذي، على الرغم من أهميته، لا ينعكس بالضرورة في تحسين أجور النساء بنفس الدرجة التي يستفيد منها الرجال.
وتكشف الدراسة عن مفارقات لافتة في بنية سوق العمل التونسي، أبرزها أن النساء ذوات التعليم العالي لا يحققن ميزة أجرية مقارنة بالرجال، بل يعانين من فجوة أجور سلبية، ما يشير إلى وجود تمييز مرتبط بنوع الشهادة وليس بمستواها. كما تُظهر النتائج أن التمييز في الأجور ضد النساء لا يقتصر على القطاع الخاص، بل يبدو أكثر وضوحًا في القطاع العام، حيث تتقاضى النساء العاملات في الشركات الخاصة المختلطة أجورًا أعلى مقارنة بنظيراتهن في المؤسسات العامة. وعلى الرغم من الارتفاع النسبي في مستويات تعليم النساء، فإن تمركزهن في قطاعات منخفضة القيمة المضافة، مثل النسيج والخدمات المجتمعية، يسهم في استمرار تدني أجورهن.
تكاليف السكن
تكاليف السكن في مصر
تشهد المدن المصرية خلال العقد الأخير ارتفاعًا متزايدًا في تكاليف السكن، سواء من حيث الإيجارات أو تكلفة تملك الوحدات السكنية، في سياق يتسم ببطء نمو الدخول الحقيقية واتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة. ولا تقتصر أعباء السكن على الإيجار أو ثمن الوحدة فقط، بل تمتد لتشمل تكاليف الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والغاز والصيانة، إضافة إلى تكاليف النقل المرتبطة بالسكن في مناطق بعيدة عن فرص العمل والخدمات. ونتيجة لذلك، يتحول السكن إلى عبء مالي مركّب يستنزف جزءًا كبيرًا من الدخل الشهري، ويقوّض قدرة الأسر، خاصة ذات الدخل المنخفض والمتوسط، على تلبية احتياجاتها الأساسية الأخرى.
وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء[5]، شهد مؤشر أسعار المستهلك للإسكان والمرافق في مصر ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة من 2014 وحتى 2024، وهو ما يعكس الزيادة المستمرة في تكاليف السكن والخدمات المرتبطة به وتأثيرها المباشر على الأوضاع المعيشية. وتشير البيانات إلى أن متوسط سعر المتر المربع ارتفع بنسبة تقارب 102% بين عامي 2014 و2022، حيث بلغ في البداية نحو 3134 جنيهًا للمتر، ثم ارتفع إلى حوالي 5380 جنيهًا في عام 2020، ليصل إلى نحو 6326 جنيهًا بحلول عام 2022.
وعلى مستوى المؤشر العام، سجل مؤشر أسعار الإسكان والمرافق ارتفاعًا تدريجيًا [6] في مصر إلى 195.90 نقطة في ديسمبر 2025 مقارنة بـ 192.40 نقطة في نوفمبر من العام نفسه. وبلغ متوسط المؤشر خلال الفترة الممتدة من 2009 إلى 2025 نحو 122.39 نقطة، مسجلًا بذلك اتجاهًا تصاعديًا طويل الأمد في تكاليف السكن والخدمات المرتبطة به. كما سجّل المؤشر أعلى مستوى تاريخي له في ديسمبر 2025 عند 195.90 نقطة، مقابل أدنى مستوى قياسي بلغ 98.70 نقطة في سبتمبر 2009، ما يعكس الزيادة الكبيرة في أعباء السكن على الأسر المصرية خلال العقد ونصف الماضيين.
لا يقتصر هذا الاتجاه التصاعدي على سوق الإسكان الخاص، بل يمتد أيضًا إلى الإسكان الاجتماعي، الذي يُفترض توجيهه للفئات ذات الدخل المنخفض. فمنذ إطلاق مشروع الإسكان الاجتماعي في عام 2014، ارتفع سعر الوحدة السكنية بمساحة 90 مترًا مربعًا من حوالي 135 ألف جنيه إلى ما يقرب من 700 ألف جنيه في عام 2024. ويُعزى هذا الارتفاع إلى مجموعة من العوامل، من بينها التضخم، وتعويم الجنيه، وارتفاع أسعار الفائدة، وتراجع الدعم الحكومي، وتغيّر سياسات التمويل. وتشير البيانات إلى أن الزيادة كانت تدريجية حتى عام 2021، ثم تسارعت بشكل لافت حتى عام 2024، بما يعكس تصاعد تكاليف السكن وصعوبة وصول هذه الوحدات إلى الفئات التي صُممت من أجلها.
تكاليف السكن في تونس
تشير بيانات مؤشر أسعار المستهلكين للإسكان والخدمات العامة في تونس[7] إلى تصاعد مستمر في تكاليف السكن والخدمات المرتبطة به خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس ضغوطًا متزايدة على الأوضاع المعيشية للأسر الحضرية. فقد ارتفع المؤشر إلى 163.90 نقطة في ديسمبر 2025، وهو أعلى مستوى تاريخي له، مقارنة بـ 97.70 نقطة في يناير 2015، ما يعني أن تكاليف السكن والخدمات العامة قد شهدت زيادة كبيرة خلال عقد واحد. كما بلغ متوسط المؤشر خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2025 نحو 122.38 نقطة، وهو ما يؤكد أن الارتفاع الحالي ليس ظرفيًا، بل يعكس اتجاهًا هيكليًا طويل الأمد في تضخم تكاليف السكن. ويشير هذا المسار التصاعدي إلى اتساع الفجوة بين تكاليف السكن ومستويات الدخل، خاصة في ظل تباطؤ نمو الأجور، ما يضعف القدرة الفعلية للأسر، ولا سيما الفئات ذات الدخل المحدود، على تحمّل تكاليف السكن الملائم داخل المدن التونسية.
تشير بيانات مؤشر أسعار العقارات في تونس[8] إلى مسار تصاعدي واضح في تكاليف السكن خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 وبداية 2024، بما يعكس ضغوطًا متزايدة على القدرة على تحمّل تكاليف السكن داخل المدن. فقد سجلت أسعار الشقق السكنية – وهي الشكل الأكثر شيوعًا للسكن الحضري – ارتفاعًا ملحوظًا من 160.7 نقطة في الربع الثاني من عام 2022 إلى 178.5 نقطة في الربع الأول من عام 2024، ما يدل على زيادة حقيقية في أسعار التملك خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا. كما شهدت المنازل مسارًا تصاعديًا مشابهًا، حيث ارتفع المؤشر من 151.7 نقطة إلى 175.1 نقطة خلال الفترة نفسها، بينما سجلت الأراضي مستويات مرتفعة تجاوزت 180 نقطة في الربع الرابع من عام 2023، بما يعكس الطابع المتزايد لتسليع الأرض والعقار.
ويكتسب هذا الارتفاع أهمية خاصة عند ربطه بسياق الدخل والأجور في تونس، حيث لا يواكَب هذا التصاعد في أسعار العقارات نموٌ موازٍ في الأجور، لا سيما بالنسبة للنساء. وفي ظل فجوة الأجور الجندرية القائمة، تتحول الزيادة في أسعار الشقق والمنازل إلى عائق بنيوي أمام وصول النساء إلى السكن الملائم، سواء عبر التملك أو الإيجار، إذ تضعف القدرة على الادخار، وترتفع نسبة الدخل المخصصة للسكن والخدمات المرتبطة به. وعليه، لا تعكس هذه المؤشرات مجرد تغيرات في السوق العقارية، بل تكشف عن اتساع الفجوة بين تكاليف السكن ومستويات الدخل، بما يقوّض التمتع الفعلي بالحق في السكن الملائم، خاصة بالنسبة للنساء في المدن التونسية.
القدرة على تحمل تكاليف السكن
تؤكد الأدبيات البحثية على أن تدني الأجور مرتبط بشكل مباشر بصعوبة تحمل تكاليف السكن، إذ تواجه الأسر ذات الدخل المنخفض عبئًا سكنيًا يفوق النسب الموصى بها، مما يحد من قدراتها في الوصول إلى سكن ملائم وآمن. حيث إن أكثر من 40% من دخل الأسر ذات الدخل المنخفض يُنفق على السكن في عدة دول، ما يعكس أزمة قدرة التحمل السكني في مواجهة ارتفاع التكاليف مقابل تدني الدخول. كما ترى مراجعات منهجية لأبحاث عدم المساواة السكنية أن التمييز الاقتصادي والدخل هو عامل رئيسي في انعدام المساواة في السكن، وهو ما يتقاطع مع الحق في السكن الملائم كحق أساسي في القانون الدولي، الذي يرتبط بتوفر وسائل كافية للدخل تمكن الأفراد من تأمين مساكنهم.[9]
إن القدرة على تحمّل التكاليف هي أحد العناصر الأساسية التي يجب أن تتوفر لتوصيف المسكن بكونه مسكنًا ملائمًا، وذلك كما ورد في التعليق العام رقم (4) بشأن الحق في السكن اللائق[10]، الصادر عن لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة، والمتعلق بتفسير المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية[11]. ويؤكد هذا التعليق أن تكاليف السكن يجب أن تكون بمستوى لا يهدد أو يقوّض تمتع الأفراد والأسر بسائر حقوقهم الأساسية، وألا تؤدي إلى حرمانهم من احتياجات ضرورية مثل الغذاء، والصحة، والتعليم، وغيرها من مقومات المستوى المعيشي اللائق. كما يوضح التعليق العام أن السكن الذي يستنزف جزءًا غير متناسب من دخل الأفراد، أو يفرض أعباء مالية مفرطة، لا يمكن اعتباره سكنًا ملائمًا من منظور حقوق الإنسان، حتى وإن كان متوفرًا من الناحية المادية، ويحمّل الدول التزامًا باتخاذ تدابير مناسبة لضمان حماية الفئات ذات الدخل المنخفض وتنظيم سوق الإسكان بما يكفل إعمال هذا الحق دون تمييز.
لا يقتصر مفهوم القدرة على تحمّل تكاليف السكن على سعر الإيجار أو ثمن الوحدة السكنية، بل يرتبط بمدى قدرة الأفراد والأسر على تأمين مسكن لائق دون المساس باحتياجاتهم الأساسية الأخرى أو تقويض مستوى معيشتهم وكرامتهم. وتُقاس هذه القدرة بشكل أدق من خلال ما يتبقى من الدخل بعد دفع تكاليف السكن، ومدى كفايته لتغطية الغذاء، والرعاية الصحية، والتعليم، والنقل، والخدمات الأساسية. كما تشمل القدرة على التحمل التكاليف الكاملة المرتبطة بالسكن، مثل فواتير الخدمات والطاقة والصيانة، إضافة إلى تأثير موقع السكن وتكاليف التنقل، وأمن الحيازة والاستقرار القانوني. ومن ثم، فإن السكن الذي يستهلك الجزء الأكبر من الدخل أو يفرض أعباء إضافية غير منظورة لا يمكن اعتباره سكنًا ميسور التكلفة أو ملائمًا من منظور حقوق الإنسان.[12]
انعكاس فجوة الأجور على تمتع النساء بالحق في السكن الملائم
في ظل فجوة الأجور بين النساء والرجال، تدخل النساء سوق السكن بدخل أقل بصورة منهجية، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرتهن على تحمّل تكاليف السكن. وحتى في الحالات التي تكون فيها أسعار الإيجار أو الوحدات السكنية موحدة ظاهريًا، فإن الدخل المتبقي للنساء بعد دفع تكاليف السكن يكون غالبًا أقل، وأحيانًا غير كافٍ لتغطية الاحتياجات الأساسية الأخرى. ويدفع هذا الواقع كثيرًا من النساء إلى القبول بسكن أدنى جودة، أو غير آمن، أو إلى مشاركة المسكن بشكل قسري كاستراتيجية لتقليل الأعباء المالية، بما يقوّض الاستقرار السكني على المدى الطويل.
بالاستناد إلى البيانات المعروضة سابقًا، يتضح أن العبء الاقتصادي يظل العائق الأبرز أمام تمتع النساء بالحق في السكن الملائم، حتى في حال تراجع بعض أشكال التمييز المباشر في الوصول إلى المسكن، مثل رفض تأجير الوحدات السكنية للنساء المستقلات، كالمطلقات أو المعيلات لأسرهن أو الطالبات. ففي هذه الحالات، لا يختفي الإقصاء السكني، بل يتخذ شكلًا اقتصاديًا غير مباشر، حيث تؤدي فجوة الأجور وعدم المساواة في الدخل إلى تقليص خيارات النساء السكنية وزيادة تكلفة الحصول على مسكن ملائم ومستقر، بما يحول دون التمتع الفعلي بهذا الحق.
تُظهر المقارنة بين مصر وتونس أن فجوة الأجور تنعكس بشكل متفاوت على القدرة النسبية للنساء في الوصول إلى السكن الملائم. ففي مصر، تنخفض هذه القدرة إلى نحو 80% مقارنة بالرجال، ما يعكس هشاشة أكبر في التمتع بالحق في السكن، خاصة في ظل اتساع الفجوة في الدخل الشهري. أما في تونس، فرغم أن القدرة النسبية للنساء تبدو أعلى (نحو 90.6%)، فإنها تظل كاشفة عن عدم مساواة بنيوية في الدخل تؤثر على الاستقرار السكني، لا سيما مع ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن في المدن.
كما تتجلى آثار فجوة الأجور في العبء النسبي المرتفع لتكاليف الخدمات الأساسية المرتبطة بالسكن. ففواتير الكهرباء والمياه والطاقة والصيانة تمثل نسبة أكبر من دخل النساء مقارنة بالرجال، وهو ما يزيد من احتمالات فقر الطاقة ويؤثر على جودة السكن والصحة العامة. وتكون هذه الأعباء أكثر حدة بالنسبة للنساء المعيلات أو الأسر ذات الدخل الواحد، حيث لا يقتصر أثر تدني الأجور على دفع الإيجار، بل يمتد إلى القدرة على الحفاظ على مسكن صحي وآمن على المدى المتوسط والطويل.
تؤدي محدودية الدخل الناتجة عن فجوة الأجور أيضًا إلى تقييد الخيارات المكانية المتاحة أمام النساء داخل المدن. فالسكن الأقل تكلفة غالبًا ما يكون في مناطق بعيدة عن فرص العمل والخدمات الأساسية، ما يفرض أعباء إضافية تتعلق بتكاليف النقل والزمن. وبالنسبة للنساء، اللواتي يتحملن في العادة مسؤوليات رعاية الأطفال وكبار السن، تتحول هذه الأعباء إلى قيود عملية تحد من فرص العمل والاستقرار الاقتصادي، وتعمّق من أنماط الإقصاء الحضري وعدم المساواة المكانية.
ترتبط فجوة الأجور كذلك بانعدام الاستقرار السكني وأمن الحيازة، إذ تكون النساء أكثر عرضة للتأخر في سداد الإيجار أو تراكم الديون السكنية في حال التعرض لصدمات اقتصادية، مثل فقدان العمل أو المرض. ويؤدي ذلك إلى زيادة مخاطر الإخلاء، سواء الرسمي أو غير الرسمي، ويجعل كثيرًا من النساء يعشن في حالة مستمرة من عدم الأمان السكني، بما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية والقدرة على التخطيط طويل الأمد.
في المجمل، تُظهر العلاقة بين فجوة الأجور والقدرة على تحمّل تكاليف السكن أن عدم المساواة في سوق العمل لا يظل محصورًا في مستوى الدخل، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على تمتع النساء بالحق في السكن الملائم. فاستمرار فجوة الأجور يعني استمرار تعرض النساء لأشكال متعددة من الهشاشة السكنية، حتى في غياب سياسات إسكان تمييزية صريحة، وهو ما يؤكد الحاجة إلى مقاربة متكاملة تربط بين سياسات الأجور والعمل وسياسات الإسكان من منظور يراعي النوع الاجتماعي.
التحليل العام والتوصيات
تُظهر نتائج هذه الدراسة أن التحديات المرتبطة بالحق في السكن الملائم لا يمكن التعامل معها بوصفها مسألة قطاعية منفصلة، أو مجرد انعكاس لاختلالات في سوق الإسكان وحده، بل هي نتاج تفاعل مركّب بين سياسات العمل، وأنماط توزيع الدخل، وأطر التخطيط الحضري. فغياب العدالة في توزيع الموارد داخل المدن، إلى جانب استمرار عدم المساواة الجندرية في سوق العمل، يؤدي إلى إنتاج أنماط ممنهجة من الإقصاء السكني، حتى في السياقات التي لا تتبنى سياسات إسكان تمييزية صريحة. ويكشف ذلك أن تحسين شروط الوصول إلى السكن الملائم يتطلب مقاربة شاملة تعالج الجذور الاقتصادية والاجتماعية التي تُعيد إنتاج الهشاشة، بدل الاكتفاء بتدخلات جزئية أو قصيرة الأجل.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في السياسات الحضرية والاجتماعية من منظور حقوقي يراعي النوع الاجتماعي، ويعترف بأن النساء لا ينطلقن من نقطة متكافئة داخل المدن. فالفجوات القائمة في الدخل، والحماية الاجتماعية، وأمن العمل، تنعكس مباشرة على القدرة الفعلية على تحمّل تكاليف السكن، وعلى الاستقرار السكني على المدى الطويل. ومن ثم، فإن أي توصيات تهدف إلى تعزيز الحق في السكن الملائم لا بد أن تُصاغ ضمن رؤية متكاملة تربط بين سياسات الأجور والعمل، وتنظيم سوق الإسكان، وتوفير شبكات حماية اجتماعية فعالة، بما يضمن عدم استبعاد النساء، ولا سيما المعيلات والأكثر هشاشة، من التمتع بهذا الحق الأساسي.
التوصيات
-
إدماج البعد الجندري في سياسات الأجور وسوق العمل
تتطلب معالجة الإقصاء السكني للنساء في المدن العربية التصدي لجذوره الاقتصادية، وعلى رأسها فجوة الأجور بين النساء والرجال. وفي هذا الإطار، ينبغي تعزيز آليات مراقبة تطبيق مبدأ الأجر المتساوي عن العمل المتساوي القيمة، لا سيما في القطاعات التي تتركز فيها النساء، واعتماد أدوات شفافية الأجور داخل القطاعين العام والخاص. كما يتعين تحسين استقرار العمل للنساء من خلال الحد من العقود الهشة، وتعزيز فرص التدرج المهني، بما يساهم في رفع الدخل الفعلي وتقليص التفاوتات التي تنعكس مباشرة على القدرة على تحمّل تكاليف السكن.
-
تصميم سياسات سكنية مستجيبة للفوارق الجندرية في الدخل
ينبغي أن تنتقل السياسات السكنية في المدن العربية من مقاربة محايدة ظاهريًا إلى مقاربة تأخذ بعين الاعتبار الفجوة الجندرية في الدخل، بما يحقق مبدأ العدالة. ويشمل ذلك مراجعة معايير الاستفادة من برامج السكن الاجتماعي والتمويل العقاري بحيث لا تُبنى حصريًا على مستوى الدخل الاسمي أو نموذج الأسرة التقليدية، بل تراعي أوضاع النساء العاملات بأجور منخفضة، والنساء المعيلات، والعاملات بعقود غير مستقرة. كما يُوصى بإدراج آليات دعم الإيجار الموجّه للنساء الأكثر هشاشة في المناطق الحضرية.
-
تحسين النفاذ العادل للتمويل السكني والائتمان
تُعد صعوبة النفاذ إلى القروض السكنية إحدى الآليات غير المباشرة لإقصاء النساء من سوق السكن. ومن ثم، يُوصى بتطوير أدوات تمويل سكني تراعي أوضاع النساء من حيث الدخل ونوع العقد، وتخفف من الاعتماد الحصري على الضمانات العقارية أو العائلية. كما ينبغي تشجيع المؤسسات المالية على اعتماد معايير تقييم ائتماني بديلة، وضمان عدم تحوّل الفجوة في الملكية أو الإرث إلى عائق بنيوي أمام حق النساء في السكن الملائم.
-
تعزيز أمن الحيازة والاستقرار السكني للنساء في المدن
في ظل فجوة الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، تصبح النساء أكثر عرضة لانعدام الاستقرار السكني. وعليه، ينبغي تعزيز الأطر القانونية والتنظيمية التي تحمي المستأجرات من الإخلاء التعسفي، وتضمن عقود إيجار أكثر استقرارًا، لا سيما للنساء المعيلات. كما يُوصى بإدماج بُعد النوع الاجتماعي في سياسات تنظيم سوق الإيجار، بما يحد من الأثر غير المتكافئ لارتفاع الإيجارات على النساء.
-
الربط بين سياسات السكن والتخطيط الحضري والنقل
لا يمكن ضمان التمتع الفعلي بالحق في السكن الملائم دون مراعاة الموقع الحضري وتكاليف التنقل. لذلك، يُوصى بربط سياسات الإسكان في المدن العربية بسياسات النقل والتخطيط الحضري، بما يحد من تمركز النساء ذوات الدخل المحدود في أطراف المدن البعيدة أو المناطق غير المخططة عن فرص العمل والخدمات. ويسهم هذا الربط في تقليص الأعباء الزمنية والمالية غير المدفوعة التي تتحملها النساء، ويعزز استفادتهن المتكافئة من الفضاء الحضري.
-
تحسين إنتاج البيانات الجندرية في السكن والعمل
تواجه صياغة سياسات فعالة تحديًا مرتبطًا بندرة البيانات المصنفة حسب الجنس في مجالي السكن والقدرة على تحمّل التكاليف، خاصة في الجهات الحكومية. وعليه، يُوصى بتعزيز جمع البيانات المتعلقة بملكية المساكن، والإيجار، ونسب الإنفاق على السكن، وأمن الحيازة، مصنفة حسب الجنس والوضع الأسري. ويُعد هذا شرطًا أساسيًا لتصميم سياسات قائمة على الأدلة، ولمتابعة أثر التدخلات على تمتع النساء بالحق في السكن الملائم داخل المدن التونسية.
-
اعتماد مقاربة حقوقية متكاملة للحق في السكن
أخيرًا، ينبغي تأطير سياسات السكن والعمل في المدن العربية ضمن مقاربة حقوقية تعترف بأن المساواة القانونية وحدها غير كافية لضمان التمتع الفعلي بالحق في السكن الملائم. ويتطلب ذلك مواءمة السياسات الوطنية مع الالتزامات الدولية، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، بما يضمن معالجة فجوة الأجور بوصفها أحد المحددات الهيكلية.
قائمة المراجع
[1] Breaking Barriers: Boosting Women’s Labor Force Participation in Egypt, World Bank, March 12, 2025. Available here.
[2] The Gender Wage Gap in Egypt, Ministry of Planning and Economic Development (MPED)- representing the Egyptian government- and the ILO Cairo office, 4 April 2024. Available here.
[3] Empowering Arab women through wage equality: A comprehensive analysis of wage disparities and strategies for promoting equal pay in the Arab region, ESCWA, January 2025. Available here.
[4] Ben Braham, M. & Abid, A. (2023). Gender Wage Gap in the Tunisian Labour Market: An Econometric Analysis. EU Neighbours. Available here.
[5] Ezz El-Din, Ibrahim. (2025, September 1). Forced eviction as an instrument for the restructuring of the Egyptian city. Diwan Alomran. Available here.
[6] Trading Economics. (n.d.). Egypt – CPI Housing & Utilities. Retrieved January 23, 2026. Available here.
[7] Trading Economics. (n.d.). Tunisia — CPI Housing & Utilities. Retrieved January 23, 2026. Available here.
[8] National Institute of Statistics (INS), Tunisia. (2024). Real Estate Price Index by Property Type (Base Year 2010 = 100). Updated September 16, 2024. Retrieved January 24, 2026. Available here.
[9] Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). (2024). Affordable housing in Society at a Glance 2024. Available here.
[10] Committee on Economic, Social and Cultural Rights. (1991). General Comment No. 4: The Right to Adequate Housing (Article 11 (1) of the International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights). United Nations, E/1992/23. Available here.
[11] United Nations General Assembly. (1966). International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights. United Nations Treaty Series, Vol. 993, p. 3. Available here.
[12] Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights. (2023). A place to live in dignity for all: Make housing affordable (Report of the Special Rapporteur on adequate housing). United Nations. Available here.