من الشباك الخاوية إلى الأسماك الملوثة.. ماذا فعل التلوث البيئي بنهر النيل؟

 

“مصر هبة النيل” عبارة أطلقها المؤرخ اليوناني هيرودوت قبل أكثر من ألفي عام، ليصف العلاقة الفريدة بين المصريين ونهرهم الخالد؛ حيث يُعد نهر النيل شريان الحياة الذي منح المصريين الحياة لآلاف السنين، وأساس لأهم حضارات العالم، غير أن نهر النيل يواجه اليوم ضغوطًا بيئية متزايدة تهدد قدرته على أداء دوره التاريخي؛ فالتلوث الناتج عن الصرف الصحي، وتراكم المعادن الثقيلة في المياه والرواسب، وتراجع التنوع البيولوجي، واختفاء أنواع أصيلة من الأسماك، كلها مؤشرات على ضغوط متزايدة يتعرض لها هذا المورد الحيوي، وتهدد الأمن الغذائي والصحة العامة ومصادر رزق آلاف الصيادين الذين ارتبطت حياتهم بالنهر لعقود طويلة.

يهدف هذا التحقيق إلى الكشف عن تأثيرات التلوث البيئي المتراكمة على نهر النيل وانعكاساتها على الثروة السمكية والتنوع البيولوجي، ورصد الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي لحقت بالصيادين، إلى جانب تسليط الضوء على المخاطر الصحية المرتبطة بتلوث الأسماك بالمعادن الثقيلة. ولتحقيق هذه الأهداف، يرتكز هذا التحقيق على تحليل قاعدة بيانات إنتاج مصر السمكي وتعداد الصيادين على مدار عقدين (2002-2022)، واستند العمل إلى سجلات رسمية، وتقارير دولية (الفاو والأمم المتحدة)، وأبحاث علمية أثبتت تركز المعادن الثقيلة في أنسجة الأسماك بمعدلات خطورة تتجاوز الأمان الصحي، وميدانيًا وثق التحقيق مأساة الصيادين عبر مقابلات حية معهم، كما التقينا عددًا من الخبراء في هذا الصدد. وفيما يلي نرصد الآثار البيئية والاقتصادية والاجتماعية لتلوث نهر النيل.

شباك خاوية

“ما أصطاده الآن لا يساوي عُشر ما كنت أصطاده سابقًا، وفي أنواع مبقتش بتظهر، وأغلب الصيادين تركوا المهنة”، يقول عم صالح لــ “ديوان العمران” وهو يتفحص خيوط شبكته التي لم تعد تأتي بصيد ثمين. لم تعد خبرته الطويلة، ولا محاولاته لإنقاذ الموقف عبر إلقاء “الزريعة” أو وضع إطارات سيارات قديمة في قاع المجرى لتجميع الأسماك، تجدي نفعًا، يصارع صالح يوميًا لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته، وهو الذي يحمل عبء زواج من تبقى من أبنائه الخمسة، في وقت لم يعد فيه النهر يمنح ما يكفي لسد الرمق.

كما يقول محمود أبو جاموس؛ شيخ الصيادين في منطقته لـ “ديوان العمران” إن “مهنة الصيد لم تعد كما كانت في مصر، وأن الصياد المحترف لا يصيد في نهر النيل إذا أراد أن يستر بيته، حاليًا صغار الصيادين يعملون على التوك توك أوفر من العمل كصياد خاصة مع قلة الرزق من الأسماك”. فيما يروي محمد غريب، أحد الصيادين من أبناء المنطقة: “بقالنا فترة طويلة بننزل النيل ومفيش رزق، مفيش سمك زي زمان، الزريعة مبقتش بتترمي، وفي نفس الوقت بندفع تأمينات وضرائب ورسوم رخصة القارب، وكل ده حمل تقيل علينا وإحنا تقريبًا مش عايشين من الدخل ده.”

تراجع الإنتاج ولجوء للمزارع السمكية

يظهر من تحليل بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء خلال العقدين الماضيين، تراجعًا حادًا في إنتاجية نهر النيل بنسبة 35%، حيث انخفض من 120.9 ألف طن، مساهمًا بما يقارب 14% من إجمالي الإنتاج السمكي، إلى نحو 78.3 ألف طن فقط عام 2022، لتتقلص مساهمته إلى أقل من 4% من إجمالي الإنتاج الوطني. وقد تزامن ذلك أيضًا مع تراجع المصايد البحرية (البحر الأحمر والمتوسط) بنسبة قاربت 26%.

وفي المقابل، اتجهت الدولة والسوق تدريجيًا نحو تعويض هذا التراجع عبر الحلول البديلة؛ إذ نمت إنتاجية البحيرات بنسبة 53%، وقفز إنتاج المزارع من نحو 376 ألف طن عام 2002 إلى أكثر من 1.5 مليون طن بحلول 2022، بزيادة بلغت 312%، لتستحوذ المزارع وحدها على نحو 77.8% من إجمالي الإنتاج السمكي في مصر البالغ قرابة 1.9 مليون طن بما قيمته 89.8 مليار جنيه.

انخفاض أعداد الصيادين: النيل يفقد ثلثي صياديه

لم يقتصر التراجع على إنتاج الأسماك وحدها، بل امتد إلى آلاف الصيادين الذين فقدوا مصدر رزقهم تدريجيًا. ويكشف محمد غريب لـ ديوان العمران، عن التحولات الحادة في خريطة المهنة بقوله “الكثير من الصيادين المرخصين قلّ عددهم بشكل كبير، وكثيرون هاجروا أو غيروا نشاطهم، بعدما لم يعد العائد من الصيد في النيل أو البحر كافيًا لتأمين لقمة العيش“.

تشير نتائج التحليل الذي أعددناه في “ديوان العمران” إلى تراجع عدد الصيادين في المياه العذبة (النهر) بنسبة 63% تقريبًا (أي فقد النهر ثلثي صياديه تقريبًا)؛ فقد انخفض عدد الصيادين من 8229 صيادًا في عام 2002 إلى 3069 عام 2022. بينما انخفض عدد الصيادين في جميع المصايد المصرية (المياه العذبة، البحيرات، المياه البحرية) بنسبة حوالي 75% تقريبًا خلال نفس الفترة.

كذلك فقد تراجع عدد البرارة المرخصين -الصيادون الذين يمارسون نشاطهم في المناطق الضحلة القريبة من الشواطئ (البر) أو في المناطق التي تنمو فيها البوص والحشائش المائية، ولا يحتاجون عادةً إلى مراكب ضخمة- من 3519 في عام 2002 إلى 2415 في عام 2022 بنسبة تراجع 31.37% و45% في جميع المصايد السمكية.

اختفاء أنواع أصيلة من الأسماك

أكد محرم عادل الأستاذ المساعد لبيولوجيا وبيئة العلوم جامعة الأزهر، لـ “ديوان العمران” اختفاء تدريجي لأنواع كانت أساسية، مثل البساريا والبوري.  ويوضح أستاذ تغذية الأسماك بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، الدكتور أشرف جودة عبد السميع لـ “ديوان العمران”، أنه بعد السد العالي انخفضت خصوبة نهر النيل فهاجرت الأنواع الأصيلة كـ “اللبيس والكراكير”، وأصبحت السيادة للبلطي والقراميط، والأخطر هو دخول (الكراي فيش) الذي تسرب للنهر نتيجة تجارب غير مدروسة وتكاثر بسرعة كـ “بلطجي” يدمر البيئة ويأكل الزريعة ويحفر في الجسور، هذا النوع المقاوم للتلوث بات رمزًا للخراب البيئي، بينما تظل سلالاتنا المحلية مثل الجمبري القزاز ضعيفة وتحتاج برامج تربية قومية لإنقاذها.

وللتأكد من ذلك، قمنا بتحليل بيانات الإنتاج بين عامي (2010 و2022) والتي كشفت عن أنواع فقدها النهر نتيجة التلوث وتدمير الموائل الطبيعية، وأشارت النتائج إلى أن “البساريا” تُعد هي الخاسر الأكبر بنسبة تراجع بلغت 75.5%؛ وهي سمكة تمثل قاعدة الهرم الغذائي ومؤشرًا حيويًا على جودة المياه، مما يعكس حجم التدهور في بيئة النهر، كما سجلت أسماك “الحنشان” (الثعابين) تراجعًا حادًا بنسبة 63.7%، والعائلة البورية تراجعًا بنسبة 56.16% وهي أنواع تتأثر مباشرة بالملوثات القاعية والمعادن الثقيلة التي تترسب في طمي النيل. أما الصدمة الكبرى فكانت في “البلطي النيلي الحر”؛ فبينما تتفاخر التقارير الرسمية بزيادة إنتاجه في المزارع، سجل إنتاجه الطبيعي في النيل تراجعًا بنسبة 17.2%، مما يعني أن “البلطي الأصلي” الذي يصطاده الصيادون يتلاشى لصالح “بلطي المزارع” الذي يُربى في نظم استزراع تعتمد في بعض المناطق على مياه المصارف المعالجة أو المختلطة.

نيل يلفظ أنفاسه

يشير العديد من الخبراء الذين تواصل معهم ديوان العمران إلى أن هناك مسارًا طويلًا من الاختلالات البيئية التي تراكمت على مدار عقود، حتى فقد النهر تدريجيًا قدرته على الحفاظ على توازنه الطبيعي؛ فخلف الشباك الخاوية واختفاء الأنواع الأصيلة، تتشابك عوامل متعددة تبدأ من الصرف غير المعالج والتلوث الصناعي والزراعي، مرورًا بتبطين الترع وتراجع تدفق الرواسب، والعجز في نمو النباتات المغذية للأسماك الناتج عن ذلك، وصولًا إلى السدود، وتداعيات بدء ملء سد النهضة الإثيوبي على المنظومة المائية ككل؛ حيث يؤدي الملء الأحادي إلى انخفاض حصة مصر المائية، مما يسبب ارتفاع ملوحة النهر وجفاف بعض المناطق، إلى جانب غزو كائنات وافدة مثل كركندة المياه العذبة ، وتلوث المياه بالمعادن الثقيلة، مما أدى في النهاية إلى نقص مقلق في الأعداد وتساؤلات أكثر إلحاحًا حول جودة وصلاحية ما يتم اصطياده للاستهلاك الآدمي.

كما يتعرض النيل يوميًا لضخ كميات هائلة من الملوثات؛ فوفقًا لتقرير الحالة البيئية عام 2023، يبلغ عدد المصارف الزراعية الرئيسية التي تصب على نهر النيل نحو 102 مصرف من أسوان إلى القاهرة وفرعي النيل (دمياط ورشيد)، والتي تحتوي على مياه الصرف الزراعي المحملة بمتبقيات المبيدات والكيماويات، بالإضافة إلى الصرف المباشر العشوائي من القرى المحرومة من خدمة الصرف الصحي، وتبلغ كمية الصرف الزراعي التي تصرف مباشرة على نهر النيل 37,22 مليون م3 / يوم، وتمثل 72% من إجمالي كمية الصرف المباشر على نهر النيل.

وقد امتدت آثار ذلك التلوث إلى قاع النهر نفسه؛ فقد كشفت دراسة عن تلوث حاد في رواسب دلتا النيل بثمانية معادن ثقيلة، أبرزها الكادميوم والنيكل والرصاص والزنك ناتجة عن تصريف مياه الصرف غير المعالجة، وقد أدى ذلك إلى تراكم هذه المعادن بصورة دائمة داخل الرواسب، في وقت ساهمت فيه السدود الكبرى بأعالي النيل في تعطيل التدفق الطبيعي للرواسب، وحرمان النهر من قدرته التاريخية على “غسل نفسه” ودفع الملوثات نحو البحر المتوسط، ما حول دلتا النيل إلى مخزن متراكم للسموم يهدد النظام البيئي بأكمله.

ومن ناحية أخرى يرى عدد من الخبراء الذين تحدث إليهم ديوان العمران أن مشروع تبطين الترع بالأسمنت والذي عُرف ب “المشروع القومي لتأهيل وتبطين الترع والمجاري المائية بالمحافظات المختلفة” – هدف المشروع إلى الحفاظ على قطاعات الترع وحماية الجسور، وتحسين الوضع البيئي والصحي، بتكلفة ١,٦ مليار جنيه خلال الفترة من ٢٠١٤ إلى ٢٠٢٠ – كانت له آثار سلبية على الموائل الطبيعية للأسماك؛ حيث يشير عادل محرم إلى أن “الرصف الإسمنتي يدمر الموائل الطبيعية ومناطق التفريخ نتيجة اختفاء الحشائش والجذور التي تضع عليها الأسماك بيوضها، كما يمنع اختلاط المياه بالرواسب المغذية ويقضي على الكائنات الدقيقة “بكتيريا وطحالب” التي تحول المخلفات لمغذيات، مما يعطل السلسلة الغذائية بأكملها”. ويضيف محرم، “أن الأخطر هو عدم الفصل بين الصرف الزراعي والصناعي والصحي؛ حيث تحولت الترع لمزيج من السموم، وفي ظل غياب الرقابة تقوم مصانع تحت بير السلم بفتح مواسير خلفية لصرف مخلفاتها الخطرة مباشرة في هذه المصارف، خاصة في مناطق “شطا والخياطة” بدمياط و”المكس” بالإسكندرية، مما حولها لمخازن حيوية للملوثات”.

أخطار على الصحة العامة وتحذيرات دولية من تكرار سيناريو نهر “بو”

في هذا الجزء تبرز تساؤلات أكثر إلحاحًا حول مصير ما تبقى من الأسماك التي تصل إلى موائد المصريين. فالتلوث لا ينعكس فقط على أعداد الأسماك وتنوعها البيولوجي، بل يمتد أثره إلى جودة المنتج نفسه وسلامته الصحية، خاصة مع تراكم المعادن الثقيلة والملوثات الكيميائية داخل الأنسجة الحية للكائنات المائية.

وفي إطار ذلك جاءت تحذيرات رئيس الدورة الـ 23 لمؤتمر الأطراف لاتفاقية برشلونة (COP23) وممثل دولة سلوفينيا، ميتيا بريسيلي لـ«ديوان العمران»، من زيادة التلوث في نهر النيل وتكرار سيناريو نهر “بو” الإيطالي في الدلتا المصرية، مؤكداً أن التراكم الحيوي داخل الأسماك يتجاوز المؤشرات الرقمية المعلنة. كذلك كشفت  دراسة علمية حديثة عن تجاوز أسماك البلطي النيلي في منطقة “مصرف الرهاوي” بفرع رشيد حدود الأمان الصحي، بعدما سجل معامل الخطورة في أنسجة الأسماك 1.58 درجة، متخطيًا حاجز الأمان المقدر بـ (الواحد الصحيح). وأشارت الدراسة عبر مقارنة مخبرية بين منطقتي القناطر الخيرية والرهاوي، إلى تركز معادن الحديد والرصاص والزنك بمستويات تفوق المسموح به دوليًا في عضلات الأسماك، مما تسبب في خلل بوظائف دم الأسماك مثل ارتفاع السكر ونقص البروتين نتيجة زيادة الأمونيا ونقص الأكسجين الذائب، وهو ما أدى في النهاية لتلف خلايا الكبد والكلى؛ لتنتهي الدراسة بتوصية عاجلة بضرورة اعتماد المعالجة الثلاثية وتغيير مسار المصرف كليًا بعيدًا عن مجرى النيل.

كما أكد ذلك دراسة لباحثين بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد كشفت نتائجها عن وجود تراكم لمعادن مثل الحديد والزنك والنحاس والمنغنيز والرصاص في الأنسجة العضلية للأسماك، وهي عناصر ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض سرطانية وغير سرطانية عند التعرض المزمن لها بكميات تتجاوز الحدود الآمنة. وبناءً عليه حذرت الدراسة من أن استهلاك أكثر من وجبتين أسبوعيًا (بوزن يتجاوز 113 غرامًا للوجبة) من سمك البلطي الجليلي الأبيض والبياض، خاصة المصطاد من محيط جزيرتي الوراق والمنيل، يرفع مؤشرات الخطر الصحي لا سيما لدى الأطفال؛ معتبرة هذه النتائج بمثابة إنذار صحي يستدعي إرساء نظام مراقبة دورية وصارمة لجودة الأسماك النيلية.

وفي إطار ذلك، أوقف الاتحاد الأوروبي استيراد الأسماك المصرية مؤقتًا في نوفمبر 2021 بسبب مخالفات في الشهادات الصحية، وعدم الامتثال لمعايير مراقبة المخلفات (EU Directive 96/23/EC)، مما أدى إلى تعليق التصدير لمدة ثلاث سنوات حتى استئنافه في 2024 بعد تلبية المتطلبات الأوروبية في نظام الرقابة.

 

هل من سبيل للإنقاذ؟

ردًا على هذه التحديات وكيفية مواجهتها، يشير رئيس وحدة البحار الإقليمية في برنامج الأمم المتحدة للبيئة ألبرتو باتشيكو كابيلا، لـ«ديوان العمران»، أن القضاء على مياه الصرف غير المعالج يتطلب استثمارات فورية في البنية التحتية، محذرًا من أن تكلفة التقاعس اليوم ستكون باهظة جداً على الصحة العامة وعلى مستقبل الاقتصاد الأزرق الذي يطعم الملايين.

وفي سياق البحث عن حلول دولية لأزمة تدهور المصايد، تضع تاتيانا هيما، المنسقة العامة لخطة عمل البحر المتوسط التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP/MAP)، يدها على التحديات الهيكلية والمادية التي تواجه مصر وتوضح أنها ملزمة ببناء محطات متطورة لمعالجة مياه الصرف الصحي في كافة المدن، وإنشاء مكبات نفايات مُدارة بشكل سليم، والتخلص من المواد الكيميائية المتقادمة، وضمان منع التلوث البلاستيكي. كل هذه المتطلبات تحتاج إلى مليارات الدولارات واستثمارات هائلة”، وعن دور الأمم المتحدة في سد هذه الفجوة، أشارت تاتيانا، أنها تسعى كمنسقة عامة لإقامة شراكات استراتيجية مع جهات مانحة كبرى، مثل بنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، مع استكشاف فرص التعاون مع بنك التنمية العربي، لمساعدة الدول في تحويل خططها الوطنية إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ على أرض الواقع.

على الجهة الأخرى، يقول الرئيس التنفيذي لجهاز شؤون البيئة السابق علي أبو سنة، أن وزارة البيئة خصصت حزمة تمويلية بقيمة 271 مليون يورو ضمن المرحلة الرابعة من برنامج التحكم في التلوث الصناعي (EPAP)، تهدف إلى مساعدة المنشآت الصناعية على توفيق أوضاعها البيئية وخفض أحمال التلوث لحماية الثروة السمكية. وأوضح أبو سنة أن استراتيجية الجهاز الحالية تعتمد على تقديم الدعم المادي والفني المباشر بجانب الدور الرقابي، مشيرًا إلى أن التمويل مخصص لإنشاء وتطوير محطات معالجة مياه الصرف داخل المصانع، لضمان منع إلقاء المخلفات السائلة في نهر النيل أو البحيرات، وتحفيز الصناعة على إعادة استخدام المياه المعالجة.

ختاما

خلف الأرقام والإحصاءات، تكشف أزمة نهر النيل عن واقع أكثر تعقيدًا من مجرد تراجع في إنتاج الأسماك أو انخفاض أعداد الصيادين؛ فهي قصة مورد طبيعي يواجه ضغوطًا بيئية متراكمة تهدد توازنه وقدرته على العطاء. فالشباك التي عادت خاوية، والأنواع الأصيلة التي اختفت، والمخاوف المتزايدة بشأن جودة الأسماك وسلامتها، كلها مؤشرات على أن النهر الذي صنع الحضارة المصرية يمر بمرحلة حرجة. وبينما تتزايد التحذيرات العلمية والدولية، يبقى مستقبل النيل مرهونًا بقدرة الدولة والمجتمع على الانتقال من تشخيص الأزمة إلى معالجة أسبابها، حفاظًا على الأمن الغذائي ومصادر رزق آلاف الأسر، وضمانًا لاستمرار شريان الحياة للأجيال القادمة.

متعلقة

[sibwp_form id=2]