على بُعد خطوات من وكالة الجداوي وسوق القيسارية، وقبل أن تخفت أصداء الاحتفاء العالمي بفوز مشروع إحياء إسنا التاريخية بجائزة “الأغا خان” للعمارة، استيقظ سكان شارع الراعي بوسط المدينة على كارثة انهيار جزئي في واجهة منزل يتجاوز عمره 145 عامًا، الواجهة ليست مجرد مبنى قديم؛ فهي مسجلة ضمن الآثار الإسلامية منذ عام 1936، وصدر قرار تسجيلها التنفيذي عام 1951 بقرار من الدكتور طه حسين “عميد الأدب العربي” آنذاك، ما يمنحها حماية قانونية وحرمًا أثريًا محددًا. ومع ذلك، سقط جزء منها فجأة في وضح النهار.
مدينة اسنا هي أحد مدن محافظة الأقصر، تبعد 55 كم جنوب الأقصر على الضفة الغربية لنهر النيل، وشهدت المدينة خلال العام الحالي أحد أهم الأحداث المعمارية الهامة، حيث حصل مشروع إحياء إسنا التاريخية على جائزة الأغا خان للعمارة (2025)، تقديرًا لمعالجته تحديات السياحة الثقافية في صعيد مصر وربطه التطوير بالحفاظ على التراث.
بدأت المرحلة الأولي من المشروع عام 2017، وضخت فيه الحكومة المصرية ملايين الجنيهات، كما حصلت الحكومة على تمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) لتنفيذ بعض المراحل، شمل المشروع إعادة تأهيل وكالة الجداوي وسوق القيسارية وشارع البازار وبيت الضيافة الملكي، إضافة إلى تأهيل عدد من المواقع ذات القيمة المعمارية، مع استخدام مواد محلية مستدامة وإحياء تقنيات البناء التقليدية، إلى جانب مبادرات اجتماعية واقتصادية أسهمت في تحويل المدينة من مركز مهمل إلى فضاء تاريخي نابض بالحياة.
الواقعة ليست وليدة اللحظة
بحسب مقابلات أجراها «ديوان العمران» مع مفتش آثار شارك في المتابعة، ومسؤول بمنطقة الآثار الإسلامية والقبطية بإسنا، فإن ما جرى في واجهة منزل “عبد المالك وأخيه نخلة” هو تكرار لمحاولات سابقة، حيث لم يكن حادثًا مفاجئًا أو انهيارًا عارضًا، بل كانت هناك محاولات لتشويه المنزل، وُثقت في محاضر رسمية متتابعة قبل واقعة الهدم، وأن المسئول عن هذه المحاولات هو القاطن بالمنزل – وفق تصريح مفتش الآثار- حيث أن القاطن كان يعرقل بشكل مستمر أعمال المتابعة الميدانية لفرق التفتيش، ويرفض تمكين المفتشين من دخول المنزل. يشير مفتش الآثار بإسنا – الذي طلب عدم ذكر اسمه- أن الواقعة نفذت بشكل مفاجأ فجرا، ولم تستطع ورديات الحراسة كشف الواقعة الا بعد وقوعها.
ويشرح أحد مسؤولي الآثار في إسنا، في تصريحات خاصة لـ«ديوان العمران»، أن الواجهة تُعامل قانونيًا كأثر مسجل بقرار وزاري، وليست مجرد مخالفة إنشائية. ووفقًا للمسؤول، بدأت التعديات تدريجيًا بمحاولة إزالة عناصر خارجية من الواجهة رغم التحذيرات، وهو ما رُصد في محضر رسمي خلال أغسطس الماضي، قبل أن يتطور لاحقًا إلى هدم جزء كامل من الجانب الغربي. بعدها حررت المنطقة عدة محاضر إثبات حالة في شرطة السياحة والآثار، وشُكلت لجنة عاجلة لإدارة الأزمة.
غير أن رواية وزارة الآثار لا تتوقف عند الفعل الفردي وحده. إذ يطرح مفتش الآثار فرضية أوسع بشأن خلفيات الحادث، قائلًا: “الشخص الذي قام بذلك من أرباب السوابق “على حد تعبيره”، وليس مواطنًا عاديًا يجهل القانون. هناك من ‘سلّطه’ على المكان، ربما المالك القديم أو أي طرف آخر له مصلحة”.
ويضيف أن التحقيقات لا تزال مستمرة في النيابة، ويتم طلب كافة الأوراق وقرارات التسجيل، مؤكدًا أن الوضع القانوني للواجهة سيظل مسجلًا كأثر إسلامي رغم ما حدث، طالما لم يتم هدم المنزل بالكامل.
غياب الإعلان الرسمي عن الواقعة
في 19 أكتوبر، نشر الدكتور عبدالرحيم ريحان رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، ومدير عام البحوث والدراسات الأثرية بوزارة السياحة والآثار سابقًا، من خلال منشور على صفحة بموقع التواصل الاجتماعي Facebook صورا لواجهة منزل عبد الملاك وأخيه نخلة متهدمة، مستنكرا أنه على الرغم من مرور أيام على الواقعة الا أن المجلس الأعلى للآثار لم يعلن عن ذلك، ولم تصدر أية بيانات رسمية تشير الى الواقعة.
وفي تصريحات لـ«ديوان العمران»، قال الدكتور عبدالرحيم ريحان : إن الهدم حدث بفعل فاعل، وهناك غياب للجهات الرسمية، وتساءل عن مدى سرعة اتخاذ الإجراءات القانونية والإنقاذية لحماية الجزء المتبقي من المنزل قبل تفاقم الضرر، حيث أن الخسارة الناتجة عن الهدم تتجاوز الضرر الإنشائي إلى فقدان قيمة فنية ومعمارية، لأن أي تغيير في واجهة أثرية قد يطال زخارف أو نقوشًا أو عناصر تاريخية تمثل جزءًا من المشهد التراثي العام للمدينة، كما يشير إلى أن ترميم إسنا في السنوات الأخيرة كان ناجحًا علميًا وفنيًا، ولم يقتصر على إصلاح مبانٍ فقط، بل ارتبط بمبادرات اجتماعية واقتصادية أعادت للمدينة حيويتها، ما يجعل الاعتداء الحالي نكسة رمزية بعد هذا المسار.
في قراءة قانونية للواقعة، يوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان أن حماية الآثار المسجّلة تُعد مسؤولية مباشرة للمجلس الأعلى للآثار وفق القانون 117 لسنة 1983، بينما تخضع المباني التراثية غير المسجّلة لسلطة المحليات طبقًا للقانون 144 لسنة 2006 بإشراف جهاز التنسيق الحضاري، ويؤكد أن الأزمة لا تكمن في نقص القوانين بقدر ما تكمن في ضعف آليات تطبيقها وغياب الحصر الشامل للمباني ذات القيمة، وهو ما يترك أجزاء واسعة من التراث العمراني عرضة للهدم أو الإهمال.
وفي ضوء ذلك، يوصي ريحان إلى تفعيل توزيع المسؤوليات القانونية بين الجهات المختصة لمنع تضارب الاختصاصات، مع الإسراع في إعداد حصر وطني شامل للمباني التراثية، ومضاعفة العقوبات في القانون 144 لوقف موجات الهدم المتكررة، وإعادة صياغة تشريعات المباني ذات القيمة لتصبح أكثر صرامة.
مؤسسة تكوين سلّمت المباني منذ ثلاث سنوات
مشروع إعادة إحياء إسنا التاريخية، أسند تنفيذه عام 2017 الى مؤسسة تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة، وفي كلمته لـ«ديوان العمران» أكد المهندس كريم إبراهيم، المدير التنفيذي للمؤسسة والمشرف على المشروع، أن واقعة الهدم لا ترتبط بنطاق عمل المؤسسة أو بالمشروع الفائز مؤخرًا بجائزة الأغا خان للعمارة 2025.
وأوضح إبراهيم أن المبنى جرى تسليمه رسميًا لوزارة السياحة والآثار منذ نحو ثلاث سنوات، وأصبح تحت مسؤوليتها الكاملة، كما هو متبع في مشروعات الترميم المماثلة، حيث ينتهي دور المؤسسة عند التنفيذ والتسليم بينما تتولى الوزارة الإدارة والمتابعة اللاحقة.
وأضاف أن تكوين نفذت أعمال الترميم وفق خطة متفق عليها مع الوزارة، وشاركت في إعداد خطط إدارة المواقع التي انتقلت مسؤولية الإشراف عليها للوزارة بعد التسليم، لافتًا إلى أن التعاون مع وزارة السياحة والآثار ومحافظة الأقصر كان وثيقًا طوال فترة المشروع، خصوصًا مع تنفيذ المحافظة لأعمال تطوير موازية بالتنسيق مع المؤسسة.
وشدد إبراهيم على أن مشروع تكوين اقتصر على مواقع محددة مثل وكالة الجداوي وسوق القيسارية وشارع البازار وبيت الضيافة الملكي، بينما المبنى الذي تعرض للهدم خارج نطاق هذه المواقع تمامًا، وبالتالي فالمؤسسة ليست طرفًا في الواقعة.
تحديات التراث المصري
على الرغم من أن المبنى محل الواقعة لم يكن ضمن مشروع إعادة الإحياء، وفق تصريحات المهندس كريم إبراهيم المشرف على المشروع، إلا أنه له علاقة وثيقة بالمنطقة من حيث الموقع الجغرافي، والقيمة التراثية، ويجب أن يرتبط تمامًا بالحماية المتوفرة للمشروع كونه جزءًا من النسيج التاريخي لمدينة إسنا. فالمبنى يقع على مسافة قريبة من القلب الذي أعاد المشروع إحياءه، ويتشارك معه السياق العمراني ذاته الذي تقوم عليه فكرة “المتحف المفتوح”، حيث تتجاور واجهاته مع مسار الحركة السياحية والتجارية الذي صنعه التطوير، ما يجعل أي اعتداء عليه امتدادًا مباشرًا لتشويه الصورة الكلية للمدينة، لا مجرد ضرر موضعي في مبنى منفرد.
وبناءً على ذلك، فإن بداية انهيار الواجهة لا يمكن قراءتها كحدث إنشائي أو خلاف ملكية، بل كاختبار فعلي لمنظومة الحماية بعد الترميم في إسنا : هل تتوقف عند حدود المواقع التي شملها المشروع فقط، أم تمتد لتشمل كل العناصر التي تمنح المكان قيمته التراثية؟ فالفصل بين “مواقع مُرمّمة” و “مبان مجاورة غير مُدرجة” يخلق فجوة سهلة الاختراق في شارع واحد وسياق واحد، ويحوّل نجاح الإحياء إلى جزيرة محمية وسط محيط هش، بينما الحقيقة أن التراث في المدن التاريخية لا يُصان بالتجزئة، بل بحماية متصلة للنسيج كله.
يرى الدكتور أحمد بدران، أستاذ الآثار المصرية بجامعة القاهرة، في تصريحات لـ«ديوان العمران»، أن ما حدث في واجهة منزل “عبد الملاك وأخيه نخلة” لا يُمكن التعامل معه كواقعة منفصلة، بل كإشارة إلى أزمة أعمق تتعلق بوعينا بقيمة التراث وبآليات حمايته بعد انتهاء الترميم. ويضع بدران الحادثة ضمن سياق أوسع من الضغوط التي يتعرض لها التراث المصري، ما يستدعي –بحسبه– إعادة ضبط منظومة الحماية بشكل عاجل.
ويصف بدران ما جرى في إسنا بأنه مفارقة قاسية؛ فالمدينة التي تحولت منذ انطلاق مشروع الإحياء إلى مقصد سياحي وتجاري، وحازت احتفاءً عالميًا بعد فوزها بجائزة الأغا خان، أصبحت في الوقت نفسه هدفًا لشهية اقتصادية ترى في الواجهات التراثية فرصة للاستغلال التجاري، حتى لو كان ذلك على حساب طمس قيمتها التاريخية. ويؤكد أن الواجهة المعتدى عليها جزء من نسيج معماري نادر يمثل ذاكرة إسنا وتنوعها الحضاري، وأن فقدان نماذج كهذه يهدد الهوية البصرية لمدن الصعيد.
ولمنع تكرار مثل هذه الجرائم، يقترح بدران مسارين متوازيين: الأول الإبقاء على ملكية المنازل للأهالي بعد ترميمها مع تعهدات قانونية ملزمة تمنع أي تغيير وتحمل المالك المسؤولية الكاملة عند المخالفة، والثاني نقل ملكيتها الى وزارة الآثار – على حد تعبيره- وتعويض الملاك تعويضا عادلا. ويرى أن الحل الجذري لا يقتصر على الأدوات القانونية، بل يتطلب إشراك المجتمع المحلي في حماية التراث عبر ربطه بمنفعة اقتصادية مباشرة للسكان، إلى جانب حملات وعي مستمرة تبدأ من التعليم، مع استعداد كليات الآثار لتقديم الدعم العلمي والاستشاري والتدريبي بما يضمن حماية وترميمًا مستدامين.
ختاما؛
تُظهِر وقائع متكرّرة في مصر حجم الخلل القائم في إدارة التراث، إذ يتكرر نمطٌ واحد: ترميمات تُعلن باحتفاء كبير، ثم تتراجع الحماية فور انتهاء مراسم الافتتاح، لتبدأ المواقع دورة جديدة من التدهور. هذا التناقض بين الاحتفال اللحظي وغياب الرؤية طويلة الأمد يكشف ضعف الحوكمة والمتابعة، ويحوّل التراث إلى “مشروع للعرض” بدل كونه منظومة مستمرة للحماية والصون.
وقد شهدت مواقع تراثية عديدة خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في حالتها، نتيجة فجوات ممتدة في الحماية الرسمية بعد الترميم، ما جعلها عرضة لضغط الاستخدام اليومي والتغيرات العمرانية دون تدخل وقائي فعّال. وتبرز قرية القرنة الجديدة بالأقصر “التي أنشأها المعماري حسن فتحي كنموذج رائد للعمارة البيئية” كمثال دالّ على هشاشة ما بعد التسليم؛ إذ تشير تقارير اليونسكو إلى أن حالة القرية تدهورت عبر السنوات بسبب غياب الصيانة المؤسسية، وظهرت مظاهر ذلك في تهدم وتضرر مبانٍ رئيسية، ما استدعى إطلاق مشروع إنقاذ وترميم عاجل لعدد من مبانيها التاريخية حفاظًا على قيمتها المعمارية.
وفي هذا السياق، لا تبدو واقعة إسنا استثناءً معزولًا، بل لحظة كاشفة لسؤال أوسع عن مسؤولية الدولة في حماية التراث بعد مشروعات الإحياء: هل تتوقف الحماية عند حدود المواقع التي شملها الترميم، أم تمتد لتشمل النسيج التاريخي كله؟ فالتجارب تُظهر أن نجاح الترميم وحده لا يكفي، وأن أي مشروع “مهما بلغ تأثيره” يبقى معرضًا للانتكاس ما لم تُستكمل حلقته الأهم: حماية رسمية مستدامة تُدار كسياسة دائمة لا كحدث افتتاحي.