في إنجاز يترجم قوة البيانات المستقلة في الدفاع عن الحقوق العمرانية، نجحت مؤسسة “ديوان العمران” في تحويل مخرجات دراستها التوثيقية الأخيرة إلى أداة مساءلة برلمانية رسمية. حيث استندت السلطة التشريعية إلى أرقام المؤسسة—التي تكشف تضرر أكثر من نصف مليون مواطن من قرارات نزع الملكية—لتقديم طلب إحاطة عاجل يواجه الحكومة بأزمة التعويضات المجحفة وانتهاك الضمانات الدستورية، في خطوة فارقة تُرسّخ دور المجتمع المدني كرقيب فاعل ينقل معاناة المواطنين من دوائر التوثيق والبحث إلى طاولة المحاسبة وصنع القرار.
في خطوة تعكس قوة التأثير المباشر لمؤسسة ديوان العمران، وما يقوم به باحثو المؤسسة من تتبع دقيق لعمليات نزع الملكية، تحولت أرقام وإحصائيات دراستنا الدورية “باسم المنفعة العامة، نزع ملكية 88.8 الف فدان في خمسة أعوام” الصادة في يونيو 2026، إلى أداة رسمية للمساءلة البرلمانية، وذلك بعد تقدم النائب حسام الخشت بطلب إحاطة عاجل للحكومة للوقوف على أزمة التعويضات الخاصة بنزع الملكية للمنفعة العامة، في تطور يرسخ دور المجتمع المدني كشريك أساسي في الرقابة وصنع السياسات.
باسم المنفعة العامة
باسم المنفعة العامة، هي دراسة دورية تنشرها مؤسسة ديوان العمران للدراسات العمرانية، حول قرارات نزع الملكية للمنفعة العامة، وما ينتج عنها من أثر اجتماعي مباشر على المواطنين المصريين الذي يفقدون أملاكهم تحت مسمي النفع العام.
في يونيو 2026 نشرت مؤسسة ديوان العمران، دراسة “باسم المنفعة العامة، نزع ملكية 88.8 ألف فدان في خمسة أعوام” والتي تتبعت 525 مشروع خلال الفترة 2021-2025 نُزع على إثرهم نحو 769 فداناً في مختلف محافظات الجمهورية، وتضرر من هذه المشروعات نحو 136 ألف أسرة، بما يصل الى 546 ألف مواطن، حيث بلغ إجمالي التعويضات المرصودة في قاعدة البيانات نحو (55.2 مليار جنيه)، والتي لا تتجاوز في متوسطها 110,400 جنيه للفرد الواحد
تقرير ديوان العمران يتحول الى وثيقة مساءلة للحكومة المصرية
استجابةً لبيانات ديوان العمران، تقدم النائب حسام حسن الخشت، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، بطلب إحاطة رسمي موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، وزراء (النقل، التخطيط، الإسكان، والموارد المائية والري)، وهي الجهات التي رصدها تقرير ديوان العمران كأبرز الجهات الحكومية طالبة نزع الملكية في فترة الدراسة.
وقد حدد الخشت جوانب المساءلة في النقاط التالية:
أزمة تأخر التعويضات: أشار النائب إلى ورود شكاوى متكررة من المواطنين الذين تم نزع ملكيتهم بشأن التأخير غير المبرر في صرف المستحقات المالية لفترات طويلة، مما يتركهم بلا مأوى أو بديل فوري.
التقييم غير العادل: انتقد طلب الإحاطة آلية تقييم الممتلكات المنزوعة، مؤكداً أن المبالغ المقدرة لا تتناسب بأي شكل مع القيمة السوقية الحقيقية للأراضي أو العقارات، خاصة في ظل موجات التضخم والارتفاع الجنوني في الأسعار، مما يجعل التعويض المالي فاقداً لقيمته الشرائية بمجرد استلامه.
مخالفة الضمانات الدستورية: استند النائب في مواجهته للحكومة إلى المادة (35) من الدستور المصري، والتي تحمي الملكية الخاصة وتؤكد بوضوح أنه “لا يجوز نزع الملكية إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدماً وفقاً للقانون”. وهو ما يضع الحكومة أمام استحقاق دستوري واجب النفاذ.
المساءلة: أحد الأهداف الاستراتيجية لديوان العمران
يمثل هذا التحرك البرلماني ترجمةً حقيقية لجوهر رسالة “ديوان العمران”؛ فنحن لا نكتفي بإنتاج المعرفة والإحصائيات لتظل مجرد تنظير أكاديمي، بل نهدف لتحويلها إلى أوراق ضغط ومساءلة. إن هذا التطور يُرسخ دور المؤسسة كفاعل رئيسي لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يُفعّل آليات الرقابة الديمقراطية للدفاع العملي عن الحقوق العمرانية. ولهذا فإن مؤسسة ديوان العمران تعمل على:
مد السلطة التشريعية بالمعلومات: توفير بيانات شفافة ومستقلة ودقيقة تُمكّن نواب الشعب من ممارسة دورهم الرقابي على السلطة التنفيذية بفعالية.
- فرض القضية على الأجندة السياسية: إخراج معاناة المهجرين قسرياً والمنزوع ملكيتهم، من الدوائر المغلقة، ووضعها على طاولة صناع القرار الرسمية لإجبارهم على الاستجابة.
- تعزيز الشفافية والعدالة: التأكيد على أن الحقوق السكنية والاقتصادية للمواطنين قابلة للدفاع عنها إذا ما توافر التوثيق الجيد والتحرك القانوني والسياسي المدروس.
إن نجاح “ديوان العمران” في تحويل بياناته إلى ورقة ضغط برلمانية يُعد نموذجاً تطبيقياً للدور الذي يجب أن تلعبه منظمات المجتمع المدني المستقلة: رقيباً مجتمعياً، وصوتاً للمهمشين، ومحركاً أساسياً لمساءلة السلطة وضمان التزامها بالدستور والقانون.