منهجية دراسة نزع الملكية لأعوام ٢٠٢١ – ٢٠٢٥

أولًا: المقدمة

تعتمد هذه الدراسة على بناء قاعدة بيانات كمية ومكانية لرصد وتحليل قرارات نزع الملكية للمنفعة العامة في مصر خلال الفترة الممتدة من يناير 2021 حتى ديسمبر 2025، بهدف قياس الأنماط الجغرافية والزمنية والمؤسسية المرتبطة بسياسات إعادة تشكيل العمران المصري. وتركز الدراسة على تحليل التأثيرات المادية والبشرية الناتجة عن هذه السياسات، من خلال تطوير نموذج وصفي وتحليلي يجمع بين الرصد القانوني، والتحليل الجغرافي، والتقدير الإحصائي للمساحات والأصول والمتضررين.

وتستند الدراسة إلى فرضية رئيسية مفادها أن نزع الملكية خلال السنوات الأخيرة لم يعد مجرد أداة إدارية لتخصيص الأراضي للمشروعات العامة، بل تحول إلى آلية مركزية لإعادة تشكيل المجال العمراني وإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية داخل الأقاليم المختلفة، وهو ما يتطلب بناء إطار منهجي قادر على قياس حجم هذه التحولات بصورة مركبة تتجاوز الحصر العددي التقليدي.

 

ثانيًا: نطاق الدراسة ووحدة التحليل

تغطي قاعدة البيانات جميع قرارات وإجراءات نزع الملكية والاستيلاء المباشر المرتبطة بمشروعات المنفعة العامة داخل جمهورية مصر العربية خلال الفترة (2021–2025)، سواء صدرت عبر:

  • قرارات رئيس مجلس الوزراء.
  • القرارات الوزارية.
  • قرارات المحافظين.
  • أو الإجراءات التنفيذية ذات الأثر المكاني المباشر.

واعتمدت الدراسة “المشروع أو القرار الأول” باعتباره وحدة العد الأساسية داخل قاعدة البيانات، وليس القرار الإداري المنفصل؛ بحيث يُسجل المشروع كحالة واحدة حتى وإن تعددت القرارات المرتبطة به أو امتد جغرافيًا عبر أكثر من محافظة. أما في الحالات المركبة — مثل قرارات المدارس المؤجرة متعددة المواقع — فقد جرى تفكيك المشروع إلى وحدات مستقلة لضمان دقة احتساب الأصول والمتضررين والتعويضات.

 

ثالثًا: مصادر البيانات وآليات التحقق

اعتمدت الدراسة على منهجية “المصادر المفتوحة متعددة المستويات” (Multi-layered Open Source Methodology)، مع إعطاء أولوية قصوى للوثائق الرسمية باعتبارها المصدر المرجعي الأساسي للترميز والتوثيق.

وشملت مصادر البيانات ما يلي:

الأرشيف الرسمي

جرى تنفيذ مسح شامل ودوري لكل من:

  • الجريدة الرسمية.
  • الوقائع المصرية.

وتم استخراج:

  • بيانات المشروع.
  • الموقع الجغرافي.
  • نوع الأصل العقاري.
  • الجهة طالبة نزع الملكية.
  • والمساحات أو الأصول المشمولة بالقرار.

الأرشيف الصحفي والرقمي

اعتمدت الدراسة على تتبع الأخبار والتقارير الميدانية المنشورة في الصحف والمواقع الإخبارية المحلية خلال فترة الدراسة، باستخدام حزمة من الكلمات المفتاحية المتغيرة، مثل: (نزع ملكية، منفعة عامة، إزالة، تطوير محور، تعويضات، استيلاء، تطوير عشوائيات). وقد استخدمت هذه المصادر لاستكمال البيانات الناقصة والتحقق من السياقات التنفيذية للمشروعات.

التحقق الجغرافي والرقمي

استخدمت الدراسة أدوات الخرائط الرقمية وصور الأقمار الصناعية، وعلى رأسها:

  • Google Maps.
  • Google Earth.
  • التحليل الجغرافي للمسارات العمرانية.

وذلك بهدف:

  • تقدير المساحات غير المعلنة.
  • التحقق من امتدادات المشروعات.
  • تحديد الكتل السكنية المتأثرة.
  • وتحليل الأثر العمراني للمشروعات الخطية مثل الطرق والمحاور.

 

رابعًا: المحاسبة الزمنية والسنة الاعتبارية للمشروع

تعتمد قاعدة البيانات والمؤشر الرياضي المرتبط بها على “المنهجية المرتكزة على الحدث الإداري التأسيسي” كمنصة موحدة للمعالجة الزمنية، حيث يتحدد النطاق الزمني للوقائع بناءً على “السنة الاعتبارية للمشروع” وهي السنة التقويمية (الميلادية) التي يقع في نطاقها (سنة صدور القرار الأول) وهو أول إجراء إداري أو قانوني معلن وموثق للواقعة في الأرشيف الرسمي. ويمثل هذا التاريخ نقطة “الصدمة القانونية الأولى” للأصل العقاري المتضرر.

  • المحدد الإجرائي: يتمثل هذا التاريخ في “قرار رئيس مجلس الوزراء” باعتبار المشروع من أعمال المنفعة العامة في أغلبية الحالات الرصدية. وفي حالات نوعية ومحدودة، يتحدد التاريخ بناءً على صدور قرار تنفيذي فوري ومباشر من الوزير المختص أو المحافظ المعني بناءً على الصلاحيات القانونية المتاحة وسياق الواقعة الميداني.
  • وتُعد هذه السنة هي الوعاء الزمني الثابت والوحيد الذي يُسند إليه المشروع بكامل ثقله العددي البشري والمادي (إجمالي قطع الأراضي، الأسر المتضررة، الوحدات السكنية، وقيمة التعويضات المقدرة).

قاعدة معالجة القرارات اللاحقة

في الحالات الإدارية التي تشهد صدور قرارات لاحقة (تعديل مسار المشروع، تصحيح بيانات، أو تجديد القرار لضم مساحات جغرافية أو بلوكات سكنية إضافية تحت مظلة نفس المشروع)، يتم التعامل وفق طريقتين لضمان استقرار النموذج:

  • إذا كان القرار اللاحق مجرد استدراك أو تصحيح إداري، تظل “السنة الاعتبارية الأولى” هي المرجع الثابت للمشروع.
  • إذا كان القرار اللاحق يتضمن توسعاً هيكلياً وضماً لمساحات وحيازات جديدة لم تكن مشمولة في المخطط التأسيسي، يتم تكويد وتحديث الحصر الإجمالي بناءً على اعتبارية وسياق “القرار الساري النشط”، بما يضمن دقة رصد سلوك التمدد العمراني للدولة وربطه بالوعاء الزمني والمكاني الصحيح.

 

خامسًا: بنية المتغيرات وقواعد الترميز

التصنيف الجغرافي والإقليمي

اعتمدت الدراسة تقسيمًا إقليميًا مستندًا إلى الأقاليم التنموية المعتمدة في التخطيط العمراني المصري، وتشمل:

  • إقليم القاهرة الكبرى: ويضم: القاهرة، الجيزة، القليوبية.
  • إقليم الإسكندرية: ويضم: الإسكندرية، البحيرة، مطروح.
  • إقليم الدلتا: ويضم: الدقهلية، الشرقية، الغربية، المنوفية، كفر الشيخ، دمياط.
  • إقليم قناة السويس: ويضم: بورسعيد، الإسماعيلية، السويس، شمال سيناء، جنوب سيناء.
  • إقليم شمال الصعيد: ويضم: الفيوم، بني سويف، المنيا.
  • إقليم وسط الصعيد: ويضم: أسيوط، سوهاج، قنا، الوادي الجديد.
  • إقليم جنوب الصعيد: ويضم: الأقصر، أسوان، البحر الأحمر.
  • المشاريع الإقليمية: تُصنف كـ “مشروع إقليمي عابر للمحافظات” إذا تخطى حدود المحافظة الواحدة.

متغير “تصنيف المشروع البديل”

جرى تصنيف المشروعات وفق الغرض الوظيفي أو التنموي الذي استوجب نزع الملكية، وشملت القطاعات الرئيسية:

  • طرق وكباري: تشمل المحاور المرورية، الكباري العلوية، الأنفاق، وتوسعات الطرق القائمة.
  • مشروعات النقل العام: تشمل مشروعات المونوريل، القطار الكهربائي السريع، خطوط مترو الأنفاق، ومحطات الأتوبيس الترددي.
  • الشرب والصرف والاستزراع: تشمل محطات المعالجة، محطات الرفع، خزانات المياه، وخطوط الطرد والانحدار. بالإضافة إلى الترع، المصارف، محطات الري، ومشروعات استصلاح الأراضي (مثل مشروع الدلتا الجديدة).
  • تنمية عمرانية وإسكان: تشمل مشروعات الإسكان الاجتماعي (سكن لكل المصريين/أهالينا)، وتطوير المناطق العشوائية غير الآمنة.
  • أبنية تعليمية: تشمل بناء مدارس جديدة أو التوسع في منشآت تعليمية قائمة، ونزع ملكية المدارس المؤجرة.
  • جراجات ومواقف عامة: تشمل مواقف الأقاليم، الجراجات متعددة الطوابق، وساحات الانتظار الحضارية.
  • خدمات عامة: تشمل الوحدات الصحية، مراكز الشباب، مجمعات الخدمات الحكومية، ومراكز تنمية الأسرة، بالإضافة إلى المنشآت الحكومية.

متغير “الجهة طالبة نزع الملكية”

صُنفت الجهات طالبة نزع الملكية وفق الجهة التنفيذية المحركة للإجراء القانوني، مثل:

  • وزارة النقل: وتشمل الهيئة العامة للطرق والكباري، الهيئة القومية للأنفاق، وسكك حديد مصر.
  • وزارة التنمية المحلية: وتمثلها المحافظات والأجهزة التنفيذية التابعة لها (غالباً في مشروعات التطوير المحلي والخدمات).
  • وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية: وتشمل هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، والجهاز التنفيذي لمياه الشرب والصرف الصحي.
  • صندوق التنمية الحضارية: (صندوق تطوير العشوائيات سابقاً) والمسؤول عن مناطق إعادة التخطيط الكبرى.
  • وزارتا (الموارد المائية / الزراعة): والمسؤولتان عن مشروعات الري والصرف الزراعي وتوسعة الرقعة الزراعية.
  • وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة: وتشمل شركات توزيع الكهرباء وأبراج المحولات ومحطات الطاقة.
  • وزارة التربية والتعليم / وزارة التعليم العالي: المسؤولتان عن مشروعات الأبنية التعليمية والجامعات.
  • جهات أمنية وسيادية: تشمل مشروعات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أو أي منشآت تابعة للقوات المسلحة أو وزارة الداخلية أو المخابرات العامة.
  • وزارات وهيئات أخرى: تشمل أي جهة لم تُصنف أعلاه (مثل وزارة الثقافة، الأوقاف، أو هيئات الاستثمار).

متغير “نوع الأصل العقاري”

يشير إلى الطبيعة الفيزيائية والوظيفية للممتلكات التي شملها قرار نزع الملكية أو الاستيلاء، ويتم تصنيفها كما يلي:

  • أراضٍ: تشمل الأراضي الفضاء والأراضي الزراعية.
  • عقارات: تشمل المنشآت الخرسانية والمباني القائمة بالفعل، سواء كانت سكنية، تجارية، أو إدارية.
  • عقارات وأراضٍ: يستخدم هذا التصنيف في المشروعات التي تبتلع كتلاً عمرانية مختلطة (مباني تحيط بها مساحات من الأراضي التابعة لها أو المجاورة).
  • عقار تؤجره مدرسة حكومية: تصنيف خاص للتعامل مع “المدارس المؤجرة” التي تخضع لقانون نزع الملكية، ولها فرضيات خاصة في تعداد المتضررين والوحدات البديلة (نظراً لطبيعة ورثتها وتفتت ملكيتهم).
  • المنطقة بالكامل: يستخدم في حالات التطوير الشامل أو الإزاحة الكلية لمناطق عشوائية أو جزر نيلية، حيث يتم التعامل مع الحيز الجغرافي ككتلة واحدة متضررة.
  • مقابر: تصنيف نوعي للتعامل مع الأصول ذات الطبيعة الخاصة (التي تتطلب إجراءات نقل رفات أو تعويضات معنوية ومكانية مغايرة).
  • حدائق: تشمل المساحات الخضراء والمنتزهات العامة أو الخاصة التي يتم اقتطاع أجزاء منها أو إزالتها لصالح مشروعات البنية التحتية.

 

سادسًا: منهجية التقدير والفرضيات الإحصائية

نظرًا لغياب البيانات التفصيلية في نسبة معتبرة من القرارات الرسمية، طورت الدراسة نموذجًا تقديريًا قائمًا على الفرضيات الإحصائية المعيارية، استنادًا إلى:

  • بيانات تعداد السكان والإسكان (CENSUS 2017).
  • التحليل الجغرافي.
  • المسح الرقمي للمناطق المتضررة.

وشملت أهم الفرضيات ما يلي:

أولاً: المتضررون (بشرياً ومادياً)

  • تعريف الأسرة: تُمثل كل “ملك فردي” أو صاحب وحدة/أرض، وبناءً عليه: (عدد الوحدات/الملكيات = عدد الأسر).
  • تعداد الأشخاص: (عدد الأسر × 4)، وهو متوسط عدد أفراد الأسرة مع مراعاة الكثافات الأعلى في المناطق الريفية والعشوائية التي تمر بها المحاور.
  • قطع الأراضي: بحد أدنى مالك واحد لكل قطعة (1 أسرة).
  • العقارات المجهولة: تُقدر من خلال المسح الرقمي للخرائط، وبفرضية (6 أسر لكل عقار) في المناطق المزدحمة (أرضي + دورتين متكرر كحد أدنى).
  • المدارس المؤجرة: تُفترض لها (2 أسرة كورثة) و(10 وحدات سكنية افتراضية بديلة) نظراً لطول أمد عقود الإيجار القديمة وتفتت الورثة.

ثانياً: المساحة والتعويض

المساحة المجهولة: يتم تقديرها عبر الأطوال والعروض التقريبية للمشاريع من خلال صور الأقمار الصناعية والبيانات الفنية للمحاور باستخدام الخرائط الرقمية.

التعويض المادي:

  • لا تُوضع فرضية إذا لم يُذكر التعويض مطلقاً.
  • إذا ذُكر وجود تعويض دون تحديد قيمته، يُفترض الحد أدنى المبدئي (100 ألف جنيهاً مصرياً) كقيمة استرشادية للترميز.

 

سابعًا: مؤشر شدة نزع الملكية (DAESI)

طورت الدراسة مؤشرًا مركبًا لقياس “شدة نزع الملكية” (Diwan Alomran Expropriation Severity Index – DAESI)، بهدف تجاوز محدودية القياس التقليدي المعتمد فقط على عدد المشروعات أو حجم المساحات. ويعتمد المؤشر على دمج عدة أبعاد رئيسية، تشمل: المساحات الجغرافية المنزوعة، عدد العقارات والوحدات السكنية، حجم الأصول المتضررة، عدد الأسر والأشخاص المتضررين، والطبيعة العمرانية للمشروع. ويهدف المؤشر إلى قياس ثقل التأثير المركب للمشروعات، وليس فقط حجمها الجغرافي، بما يسمح بالمقارنة بين المحافظات، القطاعات، الجهات الحكومية، والفترات الزمنية المختلفة. يمكن الاطلاع على منهجية بناء المؤشر من هنا.

 

ثامنًا: قواعد الاستبعاد

استبعدت الدراسة الحالات التي لا تنطبق عليها معايير “نزع الملكية للمنفعة العامة”، وتشمل:

  • العقارات الآيلة للسقوط.
  • مخالفات البناء.
  • إزالة التعديات على أملاك الدولة.
  • الأسواق العشوائية ذات الطبيعة المنقولة.
  • وقرارات تخصيص أراضي الدولة لمشروعات حكومية أخرى.

 

تاسعًا: حدود الدراسة

تخضع الدراسة لعدد من القيود المنهجية المرتبطة بطبيعة البيانات الرسمية في مصر، ومن أبرزها:

  • غياب الإفصاح الكامل عن أعداد المتضررين في كثير من القرارات.
  • تفاوت دقة البيانات الجغرافية بين المحافظات.
  • عدم انتظام نشر بيانات التعويضات.
  • والتأخر الزمني أحيانًا بين القرار الإداري والتنفيذ الفعلي.

ورغم ذلك، فإن الاعتماد على الدمج بين: الوثائق الرسمية، والتحقق الجغرافي، والمصادر الصحفية، والنماذج التقديرية المعيارية، قد أتاح بناء واحدة من أكثر قواعد البيانات شمولًا حول نزع الملكية في مصر خلال السنوات الأخيرة.

 

متعلقة

[sibwp_form id=2]