منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، لعبت الدولة المصرية دورًا محوريًا في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، بدايةً من اعتبارات العدالة الاجتماعية إلى حدود السيطرة السياسية على المجال العمراني. لم يكن التدخل القانوني في سوق الإيجارات مجرد استجابة لظروف اقتصادية طارئة، بل تطور تدريجيًا ليصبح سمة بنيوية في سياسات الدولة تجاه الإسكان، مما أنتج حالة قانونية فريدة ومركبة تُعرف بـ”نظام الإيجارات القديمة”.
في المقال الثاني من سلسلة مقالات الإيجار القديم في مصر، يبرز هذا المقال العوامل والتشريعات التاريخية التي أثرت في نظام الإيجار القدم منذ القرن الماضي وحتي اليوم.
عقد الإيجار هو اتفاق رضائي يُمكّن المستأجر من الانتفاع بعين مملوكة للغير مقابل أجرة متفق عليها، مع التزامات قانونية على الطرفين. وفي مصر، نشأ ما يُعرف بـ”نظام الإيجار القديم” كإطار استثنائي خارج القانون المدني، بهدف حماية المستأجرين وضمان استقرارهم السكني، خاصة في ظل تحولات اقتصادية وسياسية متلاحقة. تميز هذا النظام بالامتداد التلقائي لعقود الإيجار بعد انتهاء مدتها الأصلية دون الحاجة إلى تجديد، ما أتاح للمستأجر البقاء في الوحدة طالما لم تتحقق أسباب الإخلاء المنصوص عليها في القانون. كما استمر العقد في مواجهة المالك الجديد عند انتقال ملكية العين، مما حافظ على استقرار العلاقة الإيجارية.
فُرض سقف قانوني للأجرة لا يجوز تجاوزه، مع إتاحة إمكانية اللجوء للقضاء لتخفيض القيمة أو استرداد الزيادات غير القانونية، وفق تصنيف عقاري للوحدات المؤجرة بحسب الموقع والفئة. قُيدت أسباب الإخلاء بشدة، حيث لم يُعتبر انتهاء العقد أو بيع العقار سببًا كافيًا لإنهاء العلاقة، بل اقتصر ذلك على حالات معينة مثل الهدم أو الحاجة الشخصية، وبشروط قانونية دقيقة. وقد استُخدمت قواعد إجرائية استثنائية كإسناد المنازعات غالبًا للمحاكم الكلية، وجعل بعض الأحكام نهائية وغير قابلة للطعن. ورغم ما وفّره هذا النظام من حماية قانونية موسعة، إلا أنه مثّل إشكالية حقوقية لأنه وفقًا للمعايير الدولية، يُعتبر مبدأ التقاضي على درجتين حقًا أساسيًا.
بداية التدخل: الحربان العالميتان وما بعدهما
بدأ تدخل الدولة في العلاقة الإيجارية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، حين صدر القانون رقم 11 لسنة 1920، الذي وضع حدًا أقصى للأجرة لا يتجاوز 150% من قيمة 1 أغسطس 1914، وقيد حق المالك في الإخلاء إلا بوجود حكم قضائي مسبب. تبعه القانون رقم 4 لسنة 1921 لتوسيع نطاق هذه القيود على جميع العقارات، السكنية وغير السكنية. ومع الحرب العالمية الثانية، صدر القانون رقم 151 لسنة 1941 ليمنع زيادة الأجرة ويمدد عقود الإيجار تلقائيًا، حمايةً للمستأجرين في ظل ظاهرة تأجير الوحدات للأجانب بأسعار مرتفعة بعد طرد المصريين.
مع اشتداد أزمة السكن في المدن الكبرى خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، وارتفاع الإيجارات بصورة غير مسبوقة، اتخذت الحكومة المصرية أولى خطواتها لتنظيم العلاقة الإيجارية، عبر إصدار قوانين لتثبيت القيمة الإيجارية ومنع الإخلاء. وكان قانون رقم 121 لسنة 1947 أحد أبرز هذه المحطات، وأول تشريع شامل للإيجارات، حيث وضع قيودًا على حرية التعاقد بين الطرفين، وفرض قيودًا على الإخلاء، وحدد سقفًا للأجرة، وسمح باسترداد الوحدة إذا احتاجها المالك أو أحد أقاربه، بشروط محددة. بالتالي، فتح هذا القانون الباب لتدخلات لاحقة أكثر عمقًا.
الحقبة الناصرية: تأميم العلاقة الإيجارية
في سياق سياسات التأميم والإصلاح الاشتراكي التي تبناها الرئيس جمال عبد الناصر، توسعت الدولة في ضبط سوق الإيجارات بشكل جذري. حيث تحوّل الإيجار من كونه وسيلة مؤقتة للسكن إلى شبه حق دائم، يرتبط بالاستقرار الاجتماعي أكثر من ارتباطه بحرية التعاقد، بينما تراجع موقع “الملكية الخاصة” في المعادلة. وقد دعم هذا التوجه انتشار خطاب يرى في ضبط الإيجارات أداة للعدالة الاجتماعية ومقاومة المضاربة العقارية.
شهدت تلك الحقبة عددًا من القوانين والقرارات الرئاسية التي تدخلت بشكل مباشر في تحديد قيمة الأجرة وتخفيضها، باعتبارها جزءًا من التوجهات الاجتماعية للدولة الناصرية التي سعت لحماية الفئات محدودة الدخل وتوفير السكن بأسعار مناسبة. خلال هذه الفترة، أصدرت الدولة ما لا يقل عن خمسة قوانين متتالية (من بينها القوانين أرقام 199 لسنة 1952، و55 لسنة 1958، و168 لسنة 1961، و46 لسنة 1962، و7 لسنة 1965)، جميعها هدفت إلى تخفيض القيمة الإيجارية للوحدات السكنية وغير السكنية، بنِسَب تراوحت بين 15% و35%، بحسب سنة إنشاء العقار.
وُضعت أيضًا آنذاك آليات لتحديد القيمة الإيجارية الجديدة من خلال لجان خاصة يرأسها قضاة، وأُدخلت معادلات لحساب العائد المقبول للمالك، بحيث تتحول الإيجارات إلى ما يشبه “التسعيرة الاجتماعية” التي لا تعكس بالضرورة القيمة السوقية الحقيقية. وقد عكست هذه السياسات فلسفة الدولة في تلك المرحلة، حيث اعتُبر السكن حقًا اجتماعيًا يتطلب حماية من تقلبات السوق. فبموجب القوانين الصادرة بين عامي 1952 و1969، خاصة القانون رقم 52 لسنة 1969، ثُبّتت الإيجارات بأرقام زهيدة نسبيًا، وأُقر مبدأ الامتداد القانوني لعقد الإيجار تلقائيًا ليشمل أقارب المستأجر حتى الدرجة الثالثة.
حقبة السادات ومبارك: استقرار قانوني مشوب بالصراع
رغم أن سياسات الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات شهدت تحولات كبيرة في الاقتصاد المصري نحو السوق المفتوح والتوجهات الليبرالية، إلا أن منظومة الإيجارات القديمة بقيت شبه مستقرة، مع بعض التعديلات المحدودة. صدر القانون رقم 49 لسنة 1977، الذي ألغى القوانين السابقة، وأدخل نظام لجان تحديد الأجرة، مع تقييد الإخلاء إلا في حالات استثنائية. وفي عام 1981، صدر القانون رقم 136 الذي سمح للملاك بتقاضي مقدم إيجار يعادل سنتين في حالة تشطيب الوحدة، وحدد زيادات سنوية للأجرة في العقارات غير السكنية.
لم يتحقق توازن فعلي في العلاقة الإيجارية إلا مع صدور القانون رقم 4 لسنة 1996، الذي أعاد العلاقة لأحكام القانون المدني، ما منح المؤجر حرية أكبر في التعاقد. لكن في عهد مبارك، خصوصًا مع تزايد ضغوط رجال الأعمال والمستثمرين العقاريين، بدأت تظهر أصوات تطالب بتحرير العلاقة الإيجارية. غير أن تلك الدعوات اصطدمت بمخاوف اجتماعية واسعة، إذ كان لا يزال ملايين السكان يعتمدون على الإيجارات القديمة، وبعضهم يعيش في تلك الوحدات منذ عقود. ولذلك، اكتفى النظام بإصدار قوانين جديدة تنظم الإيجارات المستقبلية، مثل القانون رقم 4 لسنة 1996، والذي أقر سريان أحكام القانون المدني على الأماكن التي لم يسبق تأجيرها والأماكن التي انتهت أو تنتهي عقود إيجارها، دون المساس بالوحدات المؤجرة قديمًا.
السيسي يدخل في المشهد
في عام 2018، صدر حكم من المحكمة الدستورية بعدم دستورية جزء من المادة 18 من القانون 136 لسنة 1981، فيما تضمنه من إطلاق عبارة “لا يجوز للمؤجر أن يطلب إخلاء المكان، ولو انتهت المدة المتفق عليها في العقد…”، لتشمل عقود إيجار الأماكن المؤجرة للأشخاص الاعتبارية لاستعمالها في غير غرض السكنى. وقد أقر الحكم بإنهاء العلاقة الإيجارية للوحدات غير السكنية المؤجرة للأشخاص الاعتبارية (كالشركات والنقابات)، خلال مدة أقصاها خمس سنوات، معتبرًا أن الامتداد الأبدي للعقد يُخل بحقوق الملكية ويعوق التطوير العقاري.
في أكتوبر 2023، أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي في أحد خطاباته إلى ضرورة تدخل الحكومة لحل قضية الإيجارات القديمة. وبعد هذا التصريح بعام، وفي نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا بعدم دستورية مادتين من القانونين 49 لسنة 1977 و136 لسنة 1981، المتعلقتين بثبات القيمة الإيجارية.
ألزمت المحكمة البرلمان المصري بتعديل النظام قبل نهاية الفصل التشريعي الحالي في يونيو 2025. إلا أن المهلة القصيرة قد لا تسمح بإجراء دراسات كافية لضمان صدور قانون عادل ومتوازن. هناك مخاوف من تجاهل آراء المتأثرين بالقانون، مثل الملاك والمستأجرين، مما قد يؤدي إلى تشريع غير مستدام أو غير منصف. وإذا لم يتم إصدار القانون في الموعد المحدد، فبحسب حكم المحكمة، سيتم تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر تلقائيًا، مما قد يترتب عليه تغييرات جذرية في سوق الإيجارات.
رغم طابعها الاستثنائي، فقد اعتُبرت تلك القوانين لفترة طويلة بمثابة إجراءات حماية اجتماعية، خصوصًا للطبقة الوسطى والموظفين، في ظل شح المعروض العقاري وتباطؤ معدلات البناء. يُظهر المسار التشريعي لنظام الإيجارات القديمة في مصر حجم التوتر بين العدالة الاجتماعية وحقوق الملكية، بين الحاجة للاستقرار السكني واعتبارات الاستثمار العقاري. وبينما تسعى الدولة اليوم لإعادة تنظيم السوق، فإن تجاهل الجوانب التاريخية والاجتماعية قد يؤدي إلى إنتاج أزمة أكثر تعقيدًا، ما لم يُبنى الإصلاح على مبادئ العدالة الانتقالية، بمشاركة فعلية لأطراف العلاقة الإيجارية، وضمانات بعدم الإضرار بالفئات الهشة.