اُسدل الستار مؤخرا على قضية الإيجار القديم في مصر، بموافقة أغلبية نواب البرلمان المصري، وحسب البيانات الرسمية فالقانون وُوفق عليه من قبل لجنة الإسكان بالبرلمان في 17 يونيو 2025، بعد جلسات استماع مع خبراء وممثلين عن الملاك والمستأجرين، وبدورها أوصت اللجنة في نهاية تقريرها بالموافقة على القانون عند عرضه للتصويت على نواب البرلمان في الجلسة العامة، وهذا ما حدث في الثاني من يوليو 2025.
على الرغم من أن لجنة الإسكان بالبرلمان أعلنت في تقريرها عن دعوتها للخبراء وممثلي أصحاب المصلحة من الطرفين، إلا أن اللجنة وافقت على قانون الحكومة كما هو دون أية تعديلات تُذكر، وكأن جلسات الاستماع هذه كان الغرض منها مقابلة الأصدقاء بعضهم ببعض، وتقوية العلاقات بين السياسيين وأصحاب النفوذ تحت القبة البرلمانية.
الحكومة تستعيد ترتيب صفوف موظفيها
عندما تقدمت الحكومة بمشروع القانون للمرة الأولي في مايو 2025، قوبل برفض شديد واجتمع على رفضه النّد والصديق داخل البرلمان المصري، وأظن أنها من المرات النادرة التي يكون للبرلمان المصري صوت معارض لصوت الحكومة، إن لم تكن هذه هي المرة الوحيدة، حتى ان حزب مستقبل وطن “حزب الأغلبية” الذي اعتاد تمرير مشروعات الحكومة والدفاع عنها، اعترض على القيمة الإيجارية المقرر زيادتها، والفترة الانتقالية لتحرير العلاقة بين المالك والمستأجر. كما شهدت الجلسات الأولي من المناقشة التشكيك في نوايا الحكومة تجاه هذا القانون، وكذلك التشكيك في الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بشأن تعداد سكان الإيجار القديم في مصر.
ومن غير المستبعد أيضا أن تكون الحكومة قصدت تفجير هذه الفقاعة في المرة الأولي لامتصاص غضب الفئات الكبيرة من المستأجرين، الذين ملئهم الأمل في أن يرفض البرلمان هذا المشروع أو أن يسعى الى إقرار مشروع لا ينص على طردهم من مساكنهم. فقد شهدت الأيام التي صاحبت تقديم الحكومة لمشروعها غضب شديد في الشارع المصري انعكس على تحركات للمستأجرين، متمثلة في اجتماعات ومؤتمرات تمثلها رابطة المستأجرين، معبرين عن رفضهم لما تشرع فيه الحكومة المصرية، من تهديد لاستقرارهم الاجتماعي.
على كل حال سواء كان هذا الرفض الأولي مخطط له، أم حدث بشكل عفوي من النواب بسبب سوء تقدير الحكومة للمؤشرات الراهنة، وعدم تقديرها لاحتمالية حدوث الرفض الجماعي، فسرعان ما استعادت الحكومة خلال أيام قليلة سيطرتها على موظفيها “نواب الشعب من الأغلبية” الذين قد تناسوا دورهم الحقيقي في تمرير مشروعات الحكومة دون مناقشة، وذلك حينما قدمت الحكومة مشروعها الثاني للبرلمان ووُوفق عليه كما هو دون تعديل من قبل لجنة الإسكان، وعلى عكس المرة الأولي، فقد قوبل هذا القانون بالتصفيق الشديد من النواب أثناء عرضه للتصويت عليه في الجلسة العامة في الثاني من يوليو.
فهل تغير شيء جوهري في مشروع القانون عن سابقه، جعل البرلمان بأغلبيته يوافق عليه؟ أم أن اجتماعات ما حدثت في الغرف المغلقة تذكّر النواب بانتهاء دور الانعقاد التشريعي، وقُرب الانتخابات البرلمانية الجديدة، ليسارع النواب بتقديم قرابين اعتمادهم لتجديد الثقة فيهم؟
الفرق بين المشروعين
شهد مشروع قانون الإيجار القديم الذي أقره البرلمان في يوليو 2025 عددًا من الاختلافات عن المشروع السابق الذي رُفض سابقا وشهد حالة الجدل الواسعة. من حيث المدة، نصّ المشروع الأول على إنهاء العلاقة الإيجارية للوحدات السكنية وغير السكنية خلال خمس سنوات من تاريخ العمل بالقانون، بينما منح المشروع الثاني فترة سماح تمتد إلى سبع سنوات للوحدات السكنية وخمس سنوات لغير السكنية. كما تباينت طريقة احتساب القيمة الإيجارية، حيث فرض المشروع الأول زيادات موحدة بواقع 20 ضعفًا للوحدات السكنية و5 أضعاف لغير السكنية مع حد أدنى محدد في المدن والقرى، بينما اعتمد المشروع الثاني على تقسيم المناطق إلى متميزة، متوسطة، واقتصادية عبر لجان حصر تشكل بقرار من المحافظين وفق معايير محددة، على أن تُطبق بعدها زيادات متفاوتة حسب تصنيف المنطقة.
كذلك، أدخل المشروع الثاني آلية تنظيمية جديدة لم يتضمنها المشروع الأول، تمثلت في تشكيل لجان متخصصة لحصر وتصنيف المناطق والمباني وفق معايير محددة تشمل الموقع الجغرافي، المرافق والخدمات، نوعية البناء، والقيمة الإيجارية للعقارات الخاضعة لقانون الضرائب العقارية، وهو ما لم يكن واردًا في نصوص المشروع الأول الذي اكتفى بتطبيق الزيادة بشكل مباشر دون تصنيف أو تقييم. كما نص المشروعان على منح المستأجرين أولوية في الحصول على وحدات بديلة من الوحدات المتاحة لدى الدولة، مع اختلاف في آليات التقديم، التخصيص، وأولوية الحالات.
وعلى الرغم من التباين الظاهري في بعض المواد التنظيمية بين مشروع القانون الأول الذي تم رفضه، ومشروع القانون الثاني الذي أقره مجلس النواب في يوليو 2025، إلا أن جوهر السياسة التشريعية بقي كما هو في المشروعين، حيث أصرت الحكومة على تضمين بند صريح ينهي العلاقة الإيجارية القديمة بين المالك والمستأجر بعد مدة محددة. ففي المشروع الأول حُددت المهلة بخمس سنوات، وفي المشروع الثاني امتدت إلى سبع سنوات للوحدات السكنية، مع اختلاف في آليات احتساب القيمة الإيجارية وتنظيم أعمال الحصر. إلا أن كلا المشروعين اتفقا في النهاية على وضع حد زمني لعقود الإيجار القديمة، تمهيدًا لتحرير العلاقة الإيجارية وفق شروط جديدة تحددها السوق والسلطات التنفيذية، ما يجعل الفروق بينهما أقرب إلى تعديلات إجرائية دون مساس بمضمون السياسة الأساسية.
إذن فالمادة محل الخلاف ظلت موجودة كما هي، والتي تنص على تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر، الا أن المشروع الثاني حرك المدة من خمس سنوات الى سبعة، وقد تقدم بعض النواب بطلب للتصويت على هذه المادة لزيادة المدة الانتقالية، إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض، ومُررت المادة كما هي، الأمر الذي انعكس على قرار النواب المعارضين وممثلي بعض الأحزاب بالانسحاب من الجلسة اعتراضا على تمرير المشروع، واصدروا بيانا رسميا بإعتراضهم على القانون وتبرؤهم من إقراره.
من المستفيد؟
تواجه مصر اليوم أزمة ممتدة تتعلق بعقود الإيجار القديم، إذ يعيش ما يقرب من مليون ونصف أسرة في وحدات سكنية بموجب هذه العقود، في مقابل عدد مماثل من الملاك المتضررين من تدني القيمة الإيجارية وعجزهم عن استرداد حقهم في الانتفاع بعقاراتهم. هذه الأزمة ليست من صنع المستأجرين أو الملاك، وإنما نتيجة تشريعات قديمة وضعتها الدولة قبل عقود وتركتها تتراكم حتى أصبحت عبئًا على الجميع، دون أن تبادر بحل منصف يراعي أوضاع الطرفين.
الحل الذي كان ينبغي اتباعه كان يجب أن يوازن بين حقوق الطرفين، فالمستأجر من حقه البقاء في سكن ملائم يتناسب مع دخله وأوضاعه الاجتماعية، والمالك من حقه أن يستفيد من ملكه الذي ظل مقيدًا طيلة هذه السنوات. وفي الحالتين، الدولة تتحمل المسؤولية الأساسية باعتبارها الطرف الذي أنتج هذه الأزمة بتشريعاته وسياساته، وعليها أن تتحمل تبعات تصحيح هذا الوضع، دون تحميل الكلفة للطرفين.
المشكلة في مشروع القانون الجديد أنه بعد سبع سنوات من تطبيقه، يمنح المالك الحق في إنهاء العلاقة الإيجارية، مع نوجيه المستأجر للتقدم بطلب الحصول على وحدة بديلة من الوحدات التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية. إلا أن هذه البدائل المتاحة ليست واقعية من حيث التكلفة أو الموقع، فهي غالبًا أغلى من قدرة المستأجرين، وتقع في مناطق بعيدة عن أماكن أعمالهم ودوائر حياتهم اليومية، ما يعني فعليًا أنهم سيفقدون مساكنهم دون بديل مناسب.
إصرار الحكومة المصرية على وجود مادة تقضي بتحرير العلاقة بين المالك والمستأجر بعد فترة زمنية ليست طويلة، على الرغم من معارضة عدد من نواب البرلمان، وكذلك الرأي العام، يجعل الشكوك تثار حول نية الحكومة الحقيقية خلف هذا المشروع، فعدد كبير من المستأجرين الذين تحدثت معهم، لا يمانعون في تحريك القيمة الايجارية، لكن يرفضون فكرة الإخلاء، وقد تقدم نواب برلمانيون بمقترح لاستثناء المستأجر الأصلي وزوجه وأولاده من إنهاء العلاقة الإيجارية، حرصًا على عدم المساس بحقوقهم الاجتماعية والإنسانية، إلا أنه قوبل بالرفض.
إذن فالخطر القائم أنه بعد انقضاء المدة الانتقالية، فإن 1.6 مليون أسرة مصرية سيواجهون مصيرا ضبابيا، يتمثل في خطر الطرد من مساكنهم في حال لم يوفقوا أوضاعهم بالتراضي مع الملاك، خاصة وأن مشروع الحكومة لم يضع آليات فعالة لضمان وحماية الحق في السكن الملائم، أو بدائل مناسبة للمتضررين.
في المقابل، لن يحصل المالكون بالضرورة على حقوقهم الكاملة، إذ تقع معظم هذه العقارات في مناطق مستهدفة استثماريا، وهو ما يتيح للجهات الرسمية نزع ملكيتها لاحقًا لمصلحة مشروعات التطوير العمراني، ما يترك المالك أمام معركة جديدة للحفاظ على ملكيته.
في خلفية هذا المشهد، يتحرك مستثمرون عقاريون كبار ينتظرون اللحظة التي تنتهي فيها العلاقة الإيجارية بين المستأجر والمالك، ليتحول المشهد إلى فرص استثمارية ضخمة. هذه المناطق، بمجرد خلوها، ستُدرج ضمن مشروعات استثمارية جديدة، تتسلمها شركات التطوير العقاري الكبرى لتطرحها كمشروعات سكنية فاخرة أو أبراج تجارية تحمل أسماء أجنبية، ليُعاد توزيع سكانها قسرًا خارج حدود العاصمة.
في النهاية، نحن أمام مشهد معقد يتجه إلى أزمة اجتماعية وقانونية واسعة. لا المستأجر سيجد مأوى آمنًا، ولا المالك سيستعيد حقوقه كما يتوقع، فيما يظل المستفيد الحقيقي هو المستثمر، الذي يقف في الخلفية يترقب هذه التحولات، ليقطف ثمارها حين تطلق هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة صافرتها معلنة البدء في استخدام حقها القانوني في نزع الملكية للمنفعة العامة.