الطابع السياسي لمؤتمرات المناخ وحدود أثرها في العالم النامي

في أوائل أكتوبر 2025، نشرت وكالة رويترز تقريرًا يفيد بأنّ مياه نهر النيل ارتفعت بشكل غير مسبوق في قرية دلهمو بمحافظة المنوفية، ما أدّى إلى غمر عدد من المنازل والمناطق الزراعية والحظائر الواقعة على ضفاف النهر. لم يكن هذا الحدث مجرد تقلب موسمي في منسوب المياه، بل إشارة واضحة إلى تفاقم آثار التغيرات المناخية في دلتا النيل، المصنفة كإحدى النقاط الساخنة المعرضة بشدة لأثر التغيرات المناخية، حيث أن جزءاً من دلتا النيل معرّض بشكل خاص لارتفاع مستوى سطح البحر، لزيادة ملوحة المياه الجوفية، واجتياح المياه المالحة للتربة.

ورغم خطورة الواقعة وما خلّفته من أضرار مادية واجتماعية، لم تحظَ بتغطية إعلامية تُوازي حجمها، ولم تصدر تحذيرات أو بيانات تحليلية رسمية تتناول أسبابها أو ارتباطها بالتغير المناخي.
ويثير هذا الصمت أسئلة حول فاعلية السياسات المناخية بعد مرور ثلاث سنوات على استضافة مصر لمؤتمر المناخ العالمي (COP27) بمدينة شرم الشيخ، والذي رُوّج له حينها باعتباره نقطة تحوّل في مسار العمل البيئي الوطني، إلّا أنّ هذا الحدث في دلهمو – إلى جانب حوادث مماثلة في مناطق طرح النهر بالبحيرة – يكشف عن الفجوة بين الخطاب المناخي العالمي المتكرر في المؤتمرات، وبين غياب آليات التحذير والتكيّف الفعلية على مستوى المجتمعات المحلية.

مؤتمرات المناخ بين الطموح والتأثير المحدود

رغم الزخم الإعلامي والسياسي المصاحب لهذه المؤتمرات، إلا أن النتائج الملموسة على الأرض تظل محدودة، خصوصًا في الدول النامية التي تعاني من هشاشة بيئية واقتصادية تجعلها الأكثر عرضة لتبعات تغيّر المناخ. تُعد مصر مثالًا بارزًا على ذلك، إذ استضافت مؤتمر الأطراف السابع والعشرين (COP27) في شرم الشيخ عام 2022، وسط اهتمام عالمي وإقليمي غير مسبوق، لكن انعكاس هذا الحدث على الواقع البيئي ظل موضع تساؤل.

في الوقت الذي يُفترض أن تكون مؤتمرات المناخ منصة لتقييم التزامات الدول وتحديث استراتيجيات خفض الانبعاثات، تتحول أغلب هذه المؤتمرات إلى منبر للخطابات السياسية أكثر من كونها ساحة لاتخاذ قرارات ملزمة. فعلى الرغم من اتفاق باريس 2015، الذي نص على الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية دون 1.5 درجة مئوية، إلا أن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن الانبعاثات العالمية ما زالت في ارتفاع مطّرد، وأن التعهدات الوطنية الحالية لا تكفي لتحقيق الهدف المنشود.

إذن أصبحت نتائج المؤتمرات تراوح مكانها، إذ يتم إعادة طرح القضايا نفسها كل عام (التمويل، التعويضات، آليات الكربون) دون انتقال فعلي إلى التنفيذ، وفي كثير من الحالات، تتبدد الوعود بمجرد انتهاء المؤتمر، ما يثير تساؤلات حول جدوى عقده سنويًا في ظل غياب آلية متابعة فعالة أو نظام عقوبات للدول المتقاعسة.

انعقاد مؤتمر المناخ في مصر (COP27) – مكاسب مؤقتة وزخم متراجع

عندما استضافت مصر مؤتمر COP27 في نوفمبر 2022 بمدينة شرم الشيخ، أُعلن عن بداية “مرحلة التنفيذ” في العمل المناخي، وتم التركيز على قضايا تمويل التكيف والخسائر والأضرار للدول الإفريقية .
حققت مصر مكاسب مهمة خلال فترة المؤتمر، منها: تعزيز الحضور الدولي لمصر كدولة محورية في الجهود الإفريقية لمكافحة التغير المناخي، إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 التي تضمنت أهدافًا لخفض الانبعاثات في قطاعات الطاقة والنقل والزراعة، فضلا عن جذب تمويلات واتفاقيات مبدئية لمشروعات في الطاقة المتجددة، مثل برنامج “نُوفّي” (NWFE)  الذي يهدف الى دعم القطاع الخاص الاوروبي الى القطاع الخاص المصري بهدف التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.

إلا أن هذا الزخم تراجع بوضوح بعد انتهاء المؤتمر، إذ لم تُترجم معظم الوعود إلى مشروعات على الأرض، كما لم يتم تطوير منظومة متابعة وطنية فعالة لتقييم تنفيذ الاستراتيجيات البيئية .
وأشارت بعض التحليلات إلى أن الاهتمام الإعلامي والرسمي كان “موسميًا”، مرتبطًا بانعقاد المؤتمر أكثر من كونه تحولًا مستدامًا في السياسات البيئية 

انعكاس المؤتمر على السياسات البيئية في مصر

بعد المؤتمر، أطلقت الحكومة عددًا من المبادرات البيئية مثل مبادرة “اتحضر للأخضر”، والتوسع في مشروعات النقل المستدام والطاقة الشمسية، إلا أن التحديات الهيكلية ظلت قائمة، وأبرزها ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية، وقصور الوعي البيئي المجتمعي، وغياب الحوافز الاقتصادية للممارسات المستدامة.

كما تشير تقارير وزارة البيئة إلى أن نسب تنفيذ الخطط المناخية لا تزال متواضعة، وأن التمويل المخصص للمشروعات الخضراء لا يتجاوز 15% من إجمالي الإنفاق التنموي، ويلاحظ أن الاستراتيجيات تظل في إطار “الوثائق والسياسات” أكثر من كونها “ممارسات تنفيذية”، وهو ما جعل انعكاس المؤتمر على حياة المواطنين محدودًا.

التأثيرات المناخية المحلية – بين الإنذار الغائب والاستجابة المتأخرة

تُظهر التغيرات المناخية في مصر مظاهر متعددة تشمل ارتفاع درجات الحرارة، وتغير نمط الأمطار، وزيادة معدلات النحر في دلتا النيل، إضافة إلى تذبذب منسوب المياه في النهر. وفي غياب منظومة تحذير مبكر فعالة، واجهت بعض المناطق المصرية آثارًا مباشرة لارتفاع منسوب النيل

في أكتوبر 2024 شهدت قرية دلهمو – إحدى قرى محافظة المنوفية – ارتفاعًا غير مسبوق في منسوب مياه نهر النيل المار بجوارها، ما أدى إلى تسرب المياه إلى الأراضي الزراعية القريبة، أسفرت عن غمر حوالي 1261 فدانًا من أراضي طرح النهر، بالإضافة إلى تضرر نحو 131 منزلًا بشكل كامل.

كما ألحقت الفيضانات أضرارًا بالبنية التحتية المحلية، بما في ذلك الطرق والجسور الصغيرة، وفقدان المحاصيل الزراعية التي تمثل المصدر الرئيسي للرزق لسكان القرية. ووفقًا لشهادات الأهالي، لم تصدر أي تحذيرات مسبقة بشأن ارتفاع المنسوب، كما لم تتوفر خطط محلية لإدارة الطوارئ البيئية، مما ساهم في تفاقم حجم الخسائر. وعلى الرغم من تدخل السلطات المحلية وإجراءات الإغاثة الطارئة، فإن غياب منظومة رصد مسبق دقيقة ومنتظمة أدى إلى تأخر الاستجابة وزيادة حجم الأضرار.

في محافظة البحيرة، وبالأخص على ضفاف فرع رشيد، لم يكن الوضع مختلفًا كثيرًا؛ فخلال شهر نوفمبر 2024، وبعد نحو شهر من حادثة المنوفية، أدى ارتفاع منسوب مياه النيل إلى غمر أجزاء واسعة من أراضي طرح النهر، وهي مناطق تُستغل عادة كمزارع موسمية وحظائر لتربية المواشي. وقد ترتب على ذلك خسائر مادية جسيمة لحقت بالمزارعين، إلى جانب تضرر الثروة الحيوانية نتيجة غرق الحظائر وصعوبة الوصول إلى القرى المجاورة بسبب انقطاع الطرق بفعل المياه المتزايدة.

بعد ارتفاع منسوب مياه النيل وغرق أراضي طرح النهر، أعلنت الوحدة المحلية لمركز ومدينة إيتاي البارود عن ضرورة إخلاء المباني وحظائر المواشي المقامة على هذه الأراضي الواقعة ضمن قرى المركز بمحافظة البحيرة. ونفّذت الوحدات المحلية حملات ميدانية شملت قرى ششت الأنعام ونكلا العنب، لمتابعة تنفيذ قرارات الإخلاء لجميع المنشآت، سواء كانت منازل أو حظائر أو مخازن، بالإضافة إلى إزالة أي تشوينات زراعية من أراضي طرح النيل، وذلك حفاظًا على الممتلكات من التلف وضمانًا لسلامة المواطنين في حال استمرار ارتفاع منسوب المياه.

تكشف هذه الوقائع عن هشاشة المجتمعات الريفية في مواجهة التغيرات المناخية، وافتقارها إلى نظم حماية مستدامة مثل الجسور أو القنوات الجانبية لتصريف المياه. كما تُظهر الفجوة بين السياسات الوطنية للتكيف وبين الممارسات المحلية التي ما زالت تفتقر إلى البنية المؤسسية والتمويل الكافي.

لماذا تتراجع آثار مؤتمرات المناخ بعد انتهائها؟

تعود محدودية أثر مؤتمرات المناخ إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، من أبرزها الطابع السياسي الذي يهيمن على تلك المؤتمرات ويغلب على الطابع العلمي والتنفيذي، مما يجعل نتائجها أقرب إلى التوافقات الدبلوماسية منها إلى الخطط العملية. كما يُضاف إلى ذلك غياب آليات إلزام واضحة لمتابعة تنفيذ التعهدات، مما يُضعف من جدوى القرارات الصادرة عنها. وتزداد الفجوة اتساعًا بسبب تفاوت أولويات الدول المشاركة بين السعي لتحقيق التنمية الاقتصادية والالتزام بالمعايير البيئية، في ظل ضعف التمويل المناخي مقارنة بحجم الاحتياجات الفعلية في الدول النامية. كذلك، يسهم القصور في التواصل بين السياسات العالمية والمحلية في الحد من الأثر، إذ نادرًا ما تصل الاستراتيجيات الدولية إلى مرحلة التنفيذ العملي في القرى والمناطق الريفية.

وتُعد الحالة المصرية مثالًا واضحًا على هذا الخلل البنيوي؛ فبينما تضع الدولة خططًا بيئية واستراتيجيات طموحة، يبقى التنفيذ المحلي مقيدًا بضعف الموارد وتعقيدات البيروقراطية الإدارية. كما أن الوعي الشعبي المحدود بمخاطر التغير المناخي يقلل من فاعلية المشاركة المجتمعية، وهي عنصر أساسي لضمان نجاح جهود التكيف وبناء المرونة البيئية على المدى الطويل.

كيف يمكن أن تصبح مؤتمرات المناخ أكثر تأثيرًا؟

لكي تؤدي مؤتمرات المناخ دورًا حقيقيًا في الحد من الانبعاثات وتعزيز التكيّف، لا بد أن تتحول من مجرد أحداث دورية إلى منظومات متابعة وتنفيذ مستمرة، فبحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) لعام 2023، فإن المؤتمرات لم تُحدث الأثر المطلوب لأن قراراتها غالبًا تظل في إطار “التعهدات الطوعية” دون آليات مراقبة ومحاسبة واضحة، وهو ما يجعل الدول قادرة على حضور المؤتمر، والتصفيق للبيانات الختامية، دون التزام فعلي على الأرض.
ولذلك اقترح تقرير الأمم المتحدة المشار إليه، إنشاء نظام مراجعة دوري ملزم يحدد مدى تقدّم كل دولة في تنفيذ أهدافها المناخية، ويتيح للدول الأخرى ومنظمات المجتمع المدني مراقبة الأداء بشكل شفاف.

أما الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC, 2023) فتؤكد أن نجاح المؤتمرات لا يقاس بعدد الاتفاقيات، بل بمدى تكامل السياسات المناخية داخل مؤسسات الدولة. أي أن أثر المؤتمر يظهر عندما تتحول توصياته إلى سياسات في مجالات الطاقة والزراعة والتخطيط العمراني والنقل. 

وفي السياق نفسه، يشير البنك الدولي (2022) في تقريره عن المناخ والتنمية في مصر إلى أن المؤتمرات يمكن أن تكون مؤثرة إذا ربطت بين التمويل الدولي والتنفيذ المحلي، بحيث تُوجَّه المساعدات المناخية مباشرة إلى المجتمعات التي تواجه المخاطر البيئية، مثل قرى دلتا النيل والمناطق الزراعية الهشة. 

ويُعد هذا التحول في مسار التمويل خطوة ضرورية لتحويل الخطاب المناخي إلى واقع ملموس.

ويرى بيلينغ وغارشاغن (2024) أن المؤتمرات لا تُحدث التغيير إلا عندما تتجاوز الإطار الحكومي لتشمل المجتمع المدني والقطاع الخاص، لأن بناء المرونة المناخية يعتمد على السلوك الجماعي أكثر من القرارات السياسية.

 

ختاما، يتطلب تحويل مؤتمرات المناخ من منصات رمزية إلى أدوات حقيقية للتغيير دمج العمل على ثلاثة مستويات مترابطة. فعلى المستوى الدولي، لا بد من تطوير آليات إلزام ومحاسبة فعّالة تضمن تنفيذ التعهدات، مع توفير موارد مالية مضمونة للدول النامية لدعم جهودها في مواجهة التغير المناخي. أما على المستوى الوطني، فيتوجب مواءمة الخطط التنموية مع استراتيجيات المناخ وتفعيل آليات المتابعة الحكومية لضمان التنفيذ الفعلي للسياسات. وفي المستوى المحلي، ينبغي تمكين المجتمعات الريفية من الوصول إلى المعلومات والتحذيرات المبكرة، وتعزيز قدراتها الذاتية على التكيّف مع الظواهر المناخية المتطرفة.

وعندما يتحقق هذا التكامل بين المستويات الثلاثة، يمكن للمؤتمرات أن تتحول إلى منظومة عمل مستمرة تُحدث تغييرًا ملموسًا في حياة الناس وتُسهم في منع تكرار الكوارث البيئية مثل تلك التي شهدتها دلهمو والبحيرة.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email

متعلقة