اوراق بحثية

تحليل قانون نزع الملكية للمنفعة العامة في ضوء القانون الدولي

Diwan Alomran قراءة 42 د
تحليل قانون نزع الملكية للمنفعة العامة في ضوء القانون الدولي
محتويات التقرير
  1. الملخص
  2. مقدمة
  3. المنهجية
  4. الإطار القانوني لنزع الملكية للمنفعة العامة وتطوره التشريعي
  5. القانون رقم 10 لسنة 1990
  6. تعديلات القانون رقم 10 لسنة 1990
  7. تحليل القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته
  8. إشكالية تعريف المنفعة العامة
  9. توسيع صلاحيات السُلطة التقديرية في يد السُلطة التنفيذية
  10. مبدأ التناسب والضرورة 
  11. التعويض العادل والمسبق
  12. التضييق من مفهوم “صاحب الحق” في نزع الملكية
  13. المشاركة الاجتماعية للمتضررين
  14. عدم كفاية الضمانات
  15. فعالية التظلم والطعن والرقابة القضائية
  16. التطبيقات العملية لقانون نزع الملكية في مصر
  17. دراسة حالة مقارنة: نزع الملكية للمنفعة العامة في فرنسا
  18. النتائج والتوصيات
  19. المراجع

الملخص

تتناول هذه الدراسة الإطار القانوني المنظم لنزع ملكية العقارات للمنفعة العامة في مصر، من خلال تحليل القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته المتعاقبة، في ضوء أحكام الدستور المصري والمعايير الدولية لحقوق الإنسان ذات الصلة بحماية الملكية الخاصة والحق في السكن الملائم والحماية من الإخلاء القسري. وتنطلق الدراسة من التوسع الملحوظ في استخدام نزع الملكية خلال السنوات الأخيرة في مشروعات البنية التحتية والطرق والنقل والتطوير العمراني، وما ترتب على ذلك من آثار مباشرة على الملكية والسكن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمتضررين.

وتتمحور الإشكالية البحثية حول السؤال التالي: إلى أي مدى يحقق قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته توازنًا بين متطلبات تحقيق المنفعة العامة وحماية الحقوق الدستورية والقانونية للأفراد المتضررين من نزع الملكية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، اعتمدت الدراسة منهجًا تحليليًا قانونيًا وحقوقيًا، من خلال تحليل نصوص القانون وتعديلاته، وأحكام الدستور والقضاء المصري، ومقارنتها بالمعايير الدولية، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليقين العامين رقم 4 بشأن الحق في السكن الملائم ورقم 7 بشأن الإخلاء القسري. كما استعانت الدراسة بالتطبيق العملي لنزع الملكية في مصر وبالبيانات والتقارير المتعلقة بالمشروعات التي ترتب عليها نزع ملكيات أو إخلاء سكان.

ركز التحليل على مجموعة من القضايا الأساسية، أهمها غياب تعريف تشريعي دقيق للمنفعة العامة، واتساع السلطة التقديرية للسلطة التنفيذية، وعدم وجود اختبار قانوني واضح للضرورة والتناسب والبدائل الأقل مساسًا بالملكية، إلى جانب إشكاليات تقدير وصرف التعويض، وضيق مفهوم أصحاب الحقوق المشمولين بالحماية، ومحدودية المشاركة المجتمعية السابقة على اتخاذ القرار، وضيق بعض مواعيد الاعتراض، ومدى فعالية التظلم والطعن والرقابة القضائية. وأظهر التحليل أن القانون يوفر عددًا من الضمانات الإجرائية والمالية للمتضررين، إلا أن جانبًا كبيرًا منها يعمل بعد إقرار صفة النفع العام، بدلًا من إنشاء ضمانات فعالة تسمح بفحص ضرورة النزع ومبرراته وبدائله قبل اتخاذ القرار.

كما قارنت الدراسة الإطار المصري بالنظام الفرنسي، حيث تسبق إعلان المنفعة العامة مرحلة للتحقيق العام تتيح فحص المشروع ومشاركة الجمهور، إلى جانب رقابة قضائية يمكن أن تتجاوز التحقق الشكلي من الإجراءات إلى الموازنة بين المنافع المتوقعة للمشروع وبين تكلفته وآثاره على الملكية الخاصة والمجتمع. وأظهرت المقارنة إمكانية بناء نظام لنزع الملكية لا ينفي سلطة الدولة في تنفيذ المشروعات العامة، ولكنه يخضع هذه السلطة لضمانات تبدأ قبل اتخاذ قرار نزع الملكية وليس فقط بعده.

وتخلص الدراسة إلى أن الإشكالية الأساسية في النظام المصري لا تتمثل في مبدأ نزع الملكية للمنفعة العامة ذاته، وإنما في الضمانات التي تحكم ممارسة هذه السلطة. فالقانون الحالي، رغم ما يتضمنه من ضمانات، لا يوفر بصورة كافية آليات موضوعية تضمن أن يكون نزع الملكية إجراءً استثنائيًا وضروريًا ومتناسبًا، ولا يضمن مشاركة فعلية للمتضررين قبل اتخاذ القرار أو رقابة قضائية سريعة وفعالة قبل وقوع أضرار يصعب تداركها. كما تكشف الممارسة العملية عن مشكلات تتعلق بتأخر التعويضات، ومدى انعكاسها للقيمة الحقيقية للخسائر، وضعف الشفافية والمشاركة في بعض المشروعات.

وبناءً على ذلك، تقترح الدراسة إعادة صياغة فلسفة تنظيم نزع الملكية بحيث تنتقل الحماية القانونية من التركيز على تعويض المتضرر بعد اتخاذ القرار إلى التحقق من مشروعية وضرورة وتناسب نزع الملكية قبل وقوعه. وتشمل أبرز المقترحات استحداث اختبار قانوني للمنفعة العامة والضرورة والتناسب، وإلزام الإدارة بإثبات عدم وجود بديل أقل مساسًا بالملكية، وإنشاء ملف علني لكل مشروع، وإقرار مرحلة للمشاركة العامة قبل إعلان المنفعة العامة، وتوسيع الرقابة القضائية لتشمل الموازنة بين منافع المشروع وأضراره، وإنشاء مسار قضائي عاجل لوقف التنفيذ عند احتمال وقوع ضرر غير قابل للتدارك. كما تقترح الدراسة الفصل بين التعويض عن الملكية وجبر الآثار الاجتماعية والاقتصادية للإخلاء، وإنشاء سجل وطني مفتوح لقرارات نزع الملكية، ومراجعة استمرار تحقق المنفعة العامة بعد النزع، وإجراء تقييم لاحق لآثار المشروعات على المتضررين.

مقدمة

شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعًا في مشروعات التنمية العمرانية والبنية التحتية، صاحبها توسع في استخدام نزع ملكية العقارات والأراضي للمنفعة العامة، وما ترتب عليه من تعرض العديد من السكان لخطر إخلائهم من منازلهم وفقدان أراضيهم وممتلكاتهم. وتشير البيانات التي نشرها ديوان العمران إلى اتساع نطاق استخدام قرارات نزع الملكية خلال السنوات الأخيرة، سواء في مشروعات الطرق والمحاور المرورية أو مشروعات النقل والمرافق العامة والتطوير العمراني، بما يجعل نزع الملكية إحدى الأدوات القانونية ذات الأثر المباشر على الملكية الخاصة والحق في السكن الملائم والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين.

وفي سياق التوسع العمراني، تعرض العديد من السكان لخطر الإخلاء القسري، وهو ما يثير إشكاليات تتعلق بالحق في السكن الملائم والحماية من الإخلاء القسري، وتكتسب هذه الإشكاليات أهمية خاصة في ضوء الضمانات التي أقرها الدستور المصري، الذي يكفل الحق في السكن الملائم، ويجرم عمليات التهجير القسري واعتبرها جريمة لا تسقط بالتقادم، وكفل حق الملكية الخاصة. وعلى المستوى الدولي، صدقت مصر العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يمثل أحد الصكوك الرئيسية لحماية الحق في السكن الملائم، حيث تكفل المادة (11) منه الحق في مستوى معيشي كافٍ، بما في ذلك المسكن الملائم. كما تؤكد المعايير الدولية ذات الصلة على ضرورة توفير الحماية القانونية للأشخاص المتضررين من الإخلاء، وضمان مشاركتهم، وتوفير التعويض وسبل الانتصاف الفعالة.

وفي هذا السياق، يمثل القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة وتعديلاته الإطار التشريعي الأساسي المنظم لتدخل الدولة في الملكية الخاصة من أجل تنفيذ المشروعات التي تقرر لها صفة المنفعة العامة. وقد نظم القانون مجموعة من الإجراءات تبدأ بإصدار قرار تقرير المنفعة العامة، ثم حصر العقارات والأراضي وأصحاب الحقوق عليها، وتقدير التعويضات المستحقة، وتنتهي بنقل ملكية العقار وصرف التعويضات لأصحاب الشأن.

ويقوم التنظيم القانوني لنزع الملكية على تحقيق اعتبارين متلازمين: أولهما الحماية الواجبة للملكية الخاصة، وثانيهما تحقيق الغرض التشريعي من نزع الملكية والمتمثل في تحقيق منفعة عامة. إلا أن القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته يثير عددًا من الإشكاليات القانونية والحقوقية بشأن مدى قدرته على تحقيق التوازن بين هذين الاعتبارين، خاصة فيما يتعلق بمفهوم المنفعة العامة وحدوده، واتساع السلطة التقديرية الممنوحة للسلطة التنفيذية، ومدى مراعاة مبدأي الضرورة والتناسب، وضمان مشاركة المتضررين في مراحل اتخاذ القرار، وتحديد أصحاب الحقوق، وتقدير التعويض العادل ودفعه مقدمًا، وفعالية سُبل الاعتراض والطعن والرقابة القضائية. وهي إشكاليات تزداد أهميتها في ظل ما يكشف عنه التطبيق العملي من فجوة في بعض الحالات بين الضمانات التي يقررها القانون والواقع التنفيذي لمشروعات التنمية والبنية التحتية وإعادة التخطيط العمراني.

ومن هذا المنطلق، تقدم هذه الدراسة تحليل قانوني للقانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته اللاحقة، في ضوء أحكام الدستور المصري والمعاهدات والمواثيق الدولية ذات الصلة وأحكام القضاء، مع النظر في الواقع العملي لتطبيق القانون، للوقوف على مدى كفاية الضمانات التي يوفرها لحماية الملكية الخاصة والحق في السكن وحقوق المتضررين من نزع الملكية.

وعليه، تتمثل الإشكالية البحثية الرئيسية في السؤال التالي: إلى أي مدى يحقق قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته توازنًا بين متطلبات تحقيق المنفعة العامة وحماية الحقوق الدستورية والقانونية للأفراد المتضررين من نزع الملكية؟

المنهجية

تعتمد الدراسة على المنهج التحليلي القانوني والحقوقي من خلال التحليل النصي لمواد القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة وتعديلاته اللاحقة، وبشكل رئيسي على مواد الدستور المصري ذات الصلة بحماية الملكية الخاصة والحق في السكن الملائم، إلى جانب أحكام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض والقضاء الإداري، وذلك بهدف الوقوف على الإطار القانوني المنظم لنزع الملكية ومدى كفاية الضمانات التي يوفرها لأصحاب الحقوق والمتضررين.

تعتمد الدراسة في تقييم مواد القانون على مجموعة من المعايير التحليلية الأساسية، تشمل مدى وضوح تعريف المنفعة العامة وحدود السلطة التقديرية للجهة الإدارية، ومدى خضوع قرارات نزع الملكية لمبدأي الضرورة والتناسب، وضمانات التعويض العادل والمسبق، ومدى إشراك المتضررين وإخطارهم في مراحل اتخاذ القرار، ونطاق الأشخاص وأصحاب الحقوق المشمولين بالحماية القانونية، فضلًا عن فعالية آليات الاعتراض والطعن والرقابة القضائية.

وفي ضوء هذه المعايير، لا يقتصر التحليل على استعراض النصوص القانونية المنظمة لنزع الملكية، وإنما يسعى إلى تقييم مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الحماية الواجبة للملكية الخاصة وتحقيق المنفعة العامة، والكشف عن أوجه القصور أو الفجوات التي قد تسمح بالتوسع في استخدام نزع الملكية أو تحد من قدرة المتضررين على حماية حقوقهم.

ومن جانب القانون الدولي، تسند الدراسة إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وبصفة خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتعليق العام رقم (4) بشأن الحق في السكن الملائم، والتعليق العام رقم (7) بشأن حالات الإخلاء القسري، إلى جانب التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة.

كما تسعتين الدراسة بالواقع التطبيقي لنزع الملكية في مصر، من خلال النظر في عدد من مشروعات البنية التحتية والطرق وإعادة التخطيط، والاستناد إلى البيانات والتقارير التي جمعها ونشرها ديوان العمران، إلى جانب عدد من التقارير الحقوقية والمصادر المفتوحة، بهدف مقارنة الضمانات التي يقررها القانون بالواقع العملي لتطبيقه، ورصد ما قد ينشأ عن ذلك من آثار على الحق في الملكية والسكن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمتضررين.

الإطار القانوني لنزع الملكية للمنفعة العامة وتطوره التشريعي

القانون رقم 10 لسنة 1990

يُعد قانون نزع الملكية للمنفعة العامة[1] رقم 10 لسنة 1990 هو الإطار التشريعي الأساسي المنظم لإجراءات نزع الملكية من أجل المنفعة العامة في مصر. وقد نظم القانون ولائحته التنفيذية[2] مجموعة من الإجراءات:

  • إصدار قرار إعلان المنفعة العامة من الجهة المختصة، باعتباره الأساس القانوني الذي يبرر تدخل الدولة في الملكية الخاصة لتحقيق مشروع ذي نفع عام.
  • إجراء حصر دقيق للعقارات والأراضي والأشخاص أصحاب الحقوق عليها، بما يضمن تحديد نطاق العقارات محل النزع وتوثيق أصحاب الحقوق القانونية المرتبطة بها.
  • ألزم القانون الجهات المختصة بتقدير التعويض المستحق لأصحاب العقارات المنزوعة ملكيتها من خلال لجان مختصة تتولى تحديد القيمة المناسبة للعقار وفقًا للمعايير القانونية المعمول بها، وبعد استكمال تلك الإجراءات،
  • نقل ملكية العقار إلى الدولة أو إلى الجهة القائمة على تنفيذ مشروع المنفعة العامة وفقاً للأوضاع القانونية المقررة. وأخيرًا، نص القانون على صرف التعويضات المستحقة لأصحاب الشأن.

تعديلات القانون رقم 10 لسنة 1990

شهد القانون رقم 10 لسنة 1990 عددًا من التعديلات التشريعية خلال السنوات الأخيرة، كان أبرزها القانون رقم 1 لسنة 2015، والقانون رقم 24 لسنة 2018، والقانون رقم 187 لسنة 2020. وقد تناولت هذه التعديلات مراحل مختلفة من إجراءات نزع الملكية، بدءًا من إعلان أصحاب الشأن وحصر العقارات، مرورًا بمواعيد الاعتراض والطعن، وانتهاءً بطريقة تقدير التعويض وإيداعه وصرفه.

حيث عدل القانون رقم 1 لسنة 2015بصورة أساسية، الإجراءات والمواعيد، إذ خفّض مدة عرض كشوف الحصر إلى خمسة عشر يومًا، كما جعل لأصحاب الشأن خمسة عشر يومًا للاعتراض على البيانات الواردة بها، وخفّض بعض المدد المرتبطة بتقديم المستندات والطعن على القرارات الصادرة في الاعتراض. وهو ما يعكس اتجاهًا واضحًا نحو اختصار المدد اللازمة لاستكمال إجراءات نزع الملكية[3].

ثم جاء القانون رقم 24 لسنة 2018بتعديلات أشمل، شملت إجراءات الإعلان عن قرار المنفعة العامة وإخطار أصحاب الحقوق، كما نص على تقدير التعويض وفق الأسعار السائدة وقت صدور قرار نزع الملكية، مع إضافة نسبة 20% إلى قيمة التقدير. وألزم الجهة طالبة نزع الملكية ـ في ذلك الوقت ـ بإيداع مبلغ التعويض خلال مدة لا تجاوز شهرًا من تاريخ صدور القرار. كما أعاد مدة عرض كشوف الحصر إلى شهر، وأتاح حصول أصحاب الشأن على المبالغ المقدرة لهم حتى مع استمرار المنازعة القضائية حول قيمة التعويض[4].

أما القانون رقم 187 لسنة 2020 فقد استبدل الفقرة الأخيرة من المادة الثانية والمادة السادسة والمادة الثانية عشر من القانون رقم 10 لسنة 1990، ونص على إيداع قيمة تقديرية مبدئية للتعويض خلال شهر من صدور قرار المنفعة العامة، وإيداع كامل مبلغ التعويض خلال مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر. كما أبقى على إضافة نسبة 20% إلى قيمة التقدير، وقرر تعويضًا إضافيًا عن التأخير في الإيداع يُحسب وفق سعر الفائدة المعلن من البنك المركزي، وأجاز بموافقة الملاكةـ أداء التعويض كله أو بعضه عينًا. وفي المقابل، رفع المدة التي يظل خلالها قرار المنفعة العامة قائمًا قبل إيداع نماذج نقل الملكية أو القرار الوزاري من سنتين إلى ثلاث سنوات[5].

اذن فالسؤال المطروح هنا كيف انعكس قانون نزع الملكية للمنعة العامة وتعديلاته على ترسيخ حق المواطن في الملكية وعدم المساس بهذا الحق الا في حالات الضرورة القصوى بعد اتخاذ كافة التدابير اللازمة مسبقا؟

تحليل القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته

تسعى الدراسة في هذا الجزء الى تحليل إشكاليات قانون نزع الملكية للمنفعة العامة في إطار الدستور المصري، والقانون الدولي، حيث إن مصر ملتزمة، بوصفها إحدى الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية[6]، باحترام وحماية وإعمال الحق في مستوى معيشي لائق، بما في ذلك الحق في السكن الملائم[7]. ويُعد توفير الحماية من الإخلاء القسري جزءًا من هذا الالتزام[8]، حيث أكدت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضرورة تجنب إكراه الأفراد والأسر والمجتمعات على مغادرة المنازل أو الأراضي التي يشغلونها، إلا في ظروف استثنائية ومع توفير سبل الحماية القانونية وغيرها من الضمانات اللازمة للمتضررين. ولا تقتصر هذه الحماية على المالكين، وإنما تمتد إلى مختلف شاغلي المساكن والأراضي، بمن فيهم المستأجرون والحائزون.

إذ لا تحظر المعايير الدولية الإخلاء في جميع الأحوال، وإنما تتعلق بمدى اكتمال الضمانات المصاحبة له. فبينما ينظم القانون المصري تقرير المنفعة العامة والحصر والإخطار والتعويض والاعتراض والطعن، تتطلب المعايير الدولية، إلى جانب ذلك، أن يكون الإخلاء ملاذًا أخيرًا بعد استكشاف البدائل، وأن يخضع لاختبار الضرورة والتناسب، وأن يسبقه تشاور فعلي مع المتضررين وإتاحة المعلومات والبدائل لهم. كما تتسع الحماية الدولية لتشمل مختلف شاغلي المساكن والأراضي، ولا تقتصر على أصحاب الملكية، وتنظر إلى جبر الضرر بصورة أوسع لتشمل الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على الإخلاء.

إشكالية تعريف المنفعة العامة

تُعد إشكالية تعريف “المنفعة العامة” من أبرز الإشكاليات القانونية المرتبطة بتطبيق قانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1991؛ إذ لم يضع المشرع تعريفًا دقيقًا أو معايير موضوعية واضحة تحدد المقصود بهذا المفهوم أو الحدود التي يجب أن يتم الالتزام بها عند اللجوء إلى نزع الملكية. وبدلاً من ذلك، اكتفت المادة الثانية من القانون بحصر بعض الأعمال التي تُعد من أعمال المنفعة العامة، ومن بينها مشروعات الطرق والمياه والصرف والري والطاقة والنقل والتخطيط العمراني وتحسين المرافق العامة، فضلًا عما تقرره القوانين الأخرى، كما أجاز إضافة أعمال أخرى إلى هذا النطاق، وامتدد نزع الملكية في بعض الحالات إلى عقارات ترتبط بتحقيق أغراض المشروع أو استكمال أعمال التحسين، ويصدر قرار تقرير المنفعة العامة من رئيس الجمهورية أو من يفوضه، مرفقًا بمذكرة عن المشروع ورسم تخطيطي إجمالي له وللعقارات اللازمة لتنفيذه.

توسيع صلاحيات السُلطة التقديرية في يد السُلطة التنفيذية

يثير تنظيم سلطة تقرير المنفعة العامة تساؤلات بشأن تركيز سلطة اتخاذ قرارات نزع الملكية في يد السلطة التنفيذية، فبعد أن كان تقرير المنفعة العامة يرتبط تقليديًا بقرار يصدر من رئيس الجمهورية، اتجه المشرع من خلال التعديلات اللاحقة إلى توسيع نطاق الاختصاص ومنح رئيس مجلس الوزراء سلطة إصدار قرارات المنفعة العامة ونزع الملكية في العديد من الحالات، بحيث أصبحت الجهات التنفيذية تتمتع بدور واسع في تقرير الحاجة إلى نزع الملكية.

ورغم أن هذا التوجه قد يستهدف تسريع تنفيذ المشروعات العامة وتقليل التعقيدات الإدارية، فإنه يثير في المقابل تساؤلات بشأن مدى كفاية الضمانات المقررة لحماية الحق في الملكية الخاصة، خاصة في ظل غياب تعريف تشريعي دقيق لمفهوم “المنفعة العامة” واتساع نطاق المشروعات التي يمكن إدراجها تحت هذا الوصف. فمن الناحية العملية، قد يؤدي ذلك إلى إدراج مشروعات ذات طابع اقتصادي أو استثماري ضمن نطاق هذا المفهوم، رغم عدم توافر شرط المنفعة العامة بالمعنى الضيق الذي يبرر المساس بحقوق الأفراد الدستورية. كما أن هذا الاتساع في السلطة التقديرية قد يحد من فعالية الرقابة القضائية الموضوعية على قرارات نزع الملكية، إذ تقتصر المراجعة في كثير من الأحيان على التحقق من استيفاء الإجراءات الشكلية دون التعمق الكافي في تقييم مدى توافر المنفعة العامة الحقيقية أو مدى تناسب قرار النزع مع الهدف المراد تحقيقه.

مبدأ التناسب والضرورة 

يعد مبدأ التناسب والضرورة من المبادئ الدستورية الراسخة -وفقًا لحكم الدستورية العليا [9]رقم 18 لسنة 13 ق الصادر بجلسة 15 مايو 1993- التي تحكم مشروعية القيود المفروضة على الحقوق والحريات الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الملكية الخاصة. ويقتضي هذا المبدأ ألا تلجأ الدولة إلى نزع الملكية إلا إذا كان ذلك ضروريًا لتحقيق هدف مشروع يتعلق بمنفعة عامة حقيقية، وأن يكون الإجراء المتخذ هو أقل الوسائل تدخلًا في حقوق الأفراد مقارنة بالبدائل المتاحة، فضلًا عن ضرورة وجود توازن معقول بين المصلحة العامة المرجوة والضرر الواقع على أصحاب الحقوق. ومن هذا المنطلق، لا يكفي مجرد إعلان المنفعة العامة لإضفاء المشروعية على قرار نزع الملكية، بل يجب أن يثبت أن النزع يمثل وسيلة لا غنى عنها لتحقيق الهدف المنشود وأن المنافع العامة المتوقعة تفوق بصورة واضحة الأعباء التي يتحملها الأفراد المتضررون.

إلا أن القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته المتلاحقة، لا يتضمن معايير تفصيلية أو آليات واضحة تمكن من إجراء اختبار حقيقي للتناسب والضرورة قبل اتخاذ قرار نزع الملكية، حيث يركز بدرجة أكبر على الجوانب الإجرائية المتعلقة بإصدار القرار والحصر والتعويض، دون إلزام الجهة الإدارية بإثبات عدم وجود بدائل أقل مساسًا بالملكية الخاصة أو بيان أسباب اختيار الملكيات الخاصة محل النزع دون غيرها. ويترتب على ذلك اتساع نطاق السلطة التقديرية للإدارة وضعف الرقابة الموضوعية على مدى تناسب القرار مع الهدف المعلن، وهو ما قد يؤدي إلى المساس بجوهر الحماية الدستورية المقررة للملكية الخاصة، ومع المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تشترط أن يكون أي تدخل في هذا الحق استثنائيًا وضروريًا ومتناسبًا مع الغاية المشروعة المراد تحقيقها.

التعويض العادل والمسبق

يمثل التعويض العادل والمسبق أحد أهم الضمانات الدستورية المقررة لحماية الملكية الخاصة في حالات نزع الملكية للمنفعة العامة، حيث تنص المادة (35) من الدستور المصري أنه “لا تُنزع الملكية إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل يدفع مقدماً وفقاً للقانون”، وقد أكد على ذلك القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته المتلاحقة؛ حيث نص على أن يُقدر التعويض طبقًا للأسعار السائدة وقت صدور قرار المنفعة العامة، كما أضاف تعديل عام 2018 نسبة (20 %) فوق القيمة السوقية المحددة. وقد كان لإضافة هذه النسبة، وربط التعويض بالأسعار السائدة وقت صدور قرار المنفعة العامة، وفرض تعويض إضافي عند تأخر الجهة الإدارية في إيداع المبلغ، كلها ضمانات من شأنها الحد ولو جزئيًاـ من الأثر المالي لنزع الملكية. كما أن إتاحة التعويض العيني بموافقة المالك توفر قدرًا من المرونة قد يكون أكثر ملاءمة في بعض الحالات من التعويض النقدي وحده.

لكن عند التطبيق العملي للقانون قد نجد العديد من الإشكاليات التي تؤثر في فعالية هذه الحماية، والتي تتمثل في اختلاف معايير التقييم بين الجهات واللجان المختصة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاوت قيمة التعويضات المقررة في حالات متشابهة ويفتح المجال لعدم المساواة بين المتضررين، ويُضاف إلى ذلك أن بعض التقديرات قد لا تعكس دائمًا القيمة السوقية الحقيقية للعقارات وقت نزع الملكية، خاصة في المناطق التي تشهد ارتفاعًا متسارعًا في أسعار الأراضي والعقارات، مما يؤدي إلى تحميل الملاك جزءًا من التكلفة الاقتصادية للمشروعات العامة.

كما يقتصر التعويض على العقار نفسه فقط، دون احتساب الخسائر المرتبطة بالانتقال وإعادة التسكين، بما يؤدي إلى أن تكون هذه التعويضات غير كافية لضمان الحفاظ على المستوى المعيشي والاجتماعي للمتضررين أو تمكينهم من الحصول على سكن بديل بالمستوى ذاته، بما يكفل إعادة أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية إلى أقرب ما كانت عليه قبل نزع الملكية.

من ناحية أخرى قد تشكل حالات التأخر في صرف التعويضات تحديًا جوهريًا آخر، إذ قد يجد أصحاب العقارات أنفسهم محرومين من الانتفاع بأملاكهم أو مجبرين على إخلائها قبل الحصول على المقابل المالي المستحق، وقد يؤدي التأخر في صرف التعويضات -لا سيما في ظل التغيرات الاقتصادية المتسارعة التي حدثت خلال الأعوام الأخيرة المثال وتغير سعر صرف الدولار مرات عديدة، مما ترتب عليه تضاعف سعر العقارات والوحدات السكنية- إلى أن قيمة التعويض ،التي لا تعكس القيمة الحقيقية للسوق في معظم الأحيان، تصبح لا جدوى لها في ظل ارتفاع الأسعار مرات عديدة.

وخلاصة ما سبق، فإنه رغم ما قرره الدستور والقانون من ضمانات تهدف إلى تحقيق عدالة التعويض، فإن تطبيقها في أرض الواقع يظل محل تساؤلات كثيرة في ظل اختلاف أساليب التقييم والارتفاع المتسارع في أسعار الأراضي والوحدات السكنية. وتتفاقم هذه المشكلة مع التأخر في صرف التعويض، إذ قد يفقد المبلغ المقدر جزءًا كبيرًا من قيمته الشرائية بمرور الوقت، بما لا يسمح للمتضررين من الحصول على سكن أو عقار بديل بالمستوى نفسه، الأمر الذي يفرغ القانون من مضمونه ويبقيه حبرًا على ورق.

التضييق من مفهوم “صاحب الحق” في نزع الملكية

نصت المادة 8 من القانون على “لذوي الشأن والملاك أصحاب الحقوق خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتهاء مدة عرض الكشوف المنصوص عليها في المادة السابقة حق الاعتراض على البيانات الواردة بهذه الكشوف. ويقدم الاعتراض إلى المقر الرئيسي للجهة القائمة بإجراءات نزع الملكية أو إلى المديرية أو الإدارة التابعة لها بعاصمة المحافظة الكائن في دائرتها العقار وإذا كان الاعتراض متعلقاً بحق العين الواردة في الكشوف المشار إليها وجب أن يرفق به جميع المستندات المؤيدة له وتاريخ شهر الحقوق المقدم بشأنها الاعتراض وأرقامها وذلك خلال الثلاثين يوماً التالية لتقديم الاعتراض وإلا اعتبر كأن لم يكن. وللجهة القائمة بإجراءات نزع الملكية – عند اللزوم – أن تطلب من ذوي الشأن تقديم مستندات أخرى مكملة وعليها أن تبين لهم هذه المستندات كتابةً ودفعةً واحدةً وتحدد لهم ميعاداً مناسباً لتقديمها. وفي جميع الأحوال يجب أن يشتمل الاعتراض على العنوان الذي يعلن فيه ذوو الشأن بما تم في الاعتراض. ولذوي الشأن الحق في الطعن على القرار الذي يصدر في الاعتراض أمام المحكمة الابتدائية الكائن في دائرتها العقار ويرفع الطعن بالطرق المبينة في قانون المرافعات خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إعلانهم بالقرار.”

تكشف المادة (8) من قانون نزع الملكية للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990، أن القانون يقُصر المستفيدين من التعويضات -بصفة أساسية- على المُلاك الممتلكين للعقود الرسمية المسجلة بالشهر العقاري أو العقود ذات تسلسل الملكية الواضح. وتكشف هذه المادة عند قراءتها في ضوء تفسير محكمة النقض، عن إشكالية قانونية وحقوقية بالغة الأهمية تتعلق بمركز المشتري بعقد عرفي غير مسجل؛ فقد استقر قضاء محكمة النقض على أن عبارة “الملاك وأصحاب الحقوق” الواردة في المواد 5 و7 و8 و9 من القانون رقم 10 لسنة 1990 لا تشمل المشتري بعقد بيع غير مسجل باعتباره غير مالك للعقار قانونًا، إذ إن الملكية العقارية لا تنتقل إلا بالتسجيل أو بتسجيل الحكم الصادر بصحة ونفاذ العقد. ووفقًا لهذا الاتجاه القضائي، فإن المشتري بعقد عرفي لا يعدو أن يكون دائنًا شخصيًا للبائع، ولا يملك مطالبة جهة نزع الملكية بالتعويض عن فقد الملكية لأنها لم تنتقل إليه أصلًا من الناحية القانونية[10].

وتثير هذه القاعدة إشكالًا جوهريًا في السياق المصري، حيث تنتشر بصورة واسعة المعاملات العقارية غير المسجلة، ويشغل العديد من المشترين العقارات ويمارسون عليها سلطات المالك الفعلية لسنوات طويلة دون استكمال إجراءات التسجيل. وفي حالة نزع الملكية، قد يجد هؤلاء أنفسهم محرومين من الحق في التعويض المباشر رغم تحملهم فعليًا العبء الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن فقد العقار. ويترتب على ذلك أن الحماية القانونية التي يقررها القانون تنصرف في المقام الأول إلى المالك المسجل، بينما تبقى فئات واسعة من أصحاب المصالح المشروعة خارج نطاق الحماية الكاملة؛ أي لا يستحقون سوى تعويض تقديري (التعويض الاجتماعي)، وللجهة طالبة نزع الملكية أن تسدده أو لا تسدده، وقدرته مؤخرًا بنحو 40 ألف جنيه مصري لكل غرفة، أو تقديم وحدة سكنية بديلة من المساكن الحكومية. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى مراعاة القانون للواقع العقاري القائم.

المشاركة الاجتماعية للمتضررين

ركز القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته، بصورة أساسية على تنظيم إجراءات إعلان قرار المنفعة العامة، وحصر العقارات وأصحاب الحقوق، والإخطار، وتقديم الاعتراضات بعد اتخاذ القرار أو في مراحل لاحقة منه، دون أن ينص بصورة واضحة على آليات تضمن إشراك الأشخاص المتضررين في المراحل السابقة على اتخاذ القرار، أو إتاحة قنوات مؤسسية لمناقشة الحاجة إلى المشروع، أو نطاق نزع الملكية، أو البدائل الممكنة التي قد تحقق الغرض العام بأقل قدر من المساس بالملكية الخاصة، او أي إشارة من قريب أو بعيد إلى اشراك المتضررين وإعلامهم بأنهم يجري النظر في أمر إخلائهم.

ويمثل ذلك أحد أبرز أوجه القصور التي تمس جوهر الضمانات الإجرائية والموضوعية في آنٍ واحد، إذ يُلاحظ أن الإجراءات العملية غالبًا ما تقتصر على إخطار الملاك بقرارات نزع الملكية بعد صدورها أو في مراحل متقدمة من التنفيذ، دون إتاحة مشاركة حقيقية وفعّالة لهم في مناقشة مدى توافر “المنفعة العامة” من الأساس أو في تقييم البدائل الممكنة الأقل مساسًا بحق الملكية. ويؤدي هذا النهج إلى تهميش أصحاب الشأن المباشر في عملية اتخاذ القرار، بما يحولهم من أطراف أصيلة معنية بالقرار إلى مجرد متلقين له، الأمر الذي يحد من قدرتهم على تقديم اعتراضات موضوعية أو بيانات فنية أو قانونية قد تؤثر في مسار القرار أو تعدله. كما أن محدودية المشاركة تمتد إلى مرحلة تقدير التعويض، حيث لا يُمنح المتضررون دائمًا دورًا فاعلًا في مناقشة أسس التقييم أو الطعن الفني عليها في إطار تشاركي واضح وشفاف، بل يتم الاعتماد بشكل أساسي على لجان إدارية أو خبرات فنية دون ضمان مشاركة فعلية لأصحاب الملكية في العملية التقديرية.

ويتعارض ذلك مع معايير حقوق الإنسان الدولية التي تؤكد على مبدأ المشاركة والحق في الاستماع قبل اتخاذ القرارات التي تمس الحقوق الفردية، كما يمس بشكل غير مباشر مبدأ الشفافية والعدالة الإجرائية، إذ إن غياب المشاركة الفعلية يقلل من إمكانية الرقابة المجتمعية على قرارات نزع الملكية ويضعف الثقة في حياد وموضوعية الإدارة، ويمتد ليؤثر على مشروعية القرار الإداري ذاته.

عدم كفاية الضمانات

يتضح من تتبع التعديلات المتعاقبة على القانون رقم 10 لسنة 1990 أن المشرع اتجه إلى تسريع عدد من إجراءات نزع الملكية بما قد يؤثر في مدى كفاية الضمانات المتاحة للمتضررين. فعلى الرغم من أن تعديل عام 2018 قد عزز جوانب العلانية من خلال نشر قرار المنفعة العامة وإعلانه في أماكن متعددة، وإخطار ذوي الشأن بموعد أعمال الحصر، وهي إجراءات تسهم في تمكين أصحاب الحقوق من العلم بالإجراءات التي تمس ملكيتهم، إلا أن هذه الضمانات لا تنفي استمرار بعض الإشكاليات، خاصة فيما يتعلق بضيق المدد المتاحة للاعتراض وتقديم المستندات والطعن؛ إذ كان تعديل عام 2015 قد اختصر مدة الاعتراض على بيانات الحصر إلى خمسة عشر يومًا فقط، وهو ما قد لا يكون كافيًا في بعض الحالات التي تتسم بتعقيد أوضاع الملكية أو تعدد الورثة أو اتساع نطاق المشروع وعدد المتضررين منه.

كما تكشف تعديلات عام 2020 عن استمرار التوتر بين هدف تسريع تنفيذ مشروعات المنفعة العامة وبين ضرورة توفير حماية إجرائية فعالة لأصحاب الحقوق؛ فعلى الرغم من إقرار تعويض إضافي في حالة التأخر في إيداع التعويض، فقد جعل مهلة إيداع كامل مبلغ التعويض ثلاثة أشهر، بعد أن كان تعديل 2018 يلزم بإيداع مبلغ التعويض خلال شهر، كما امتدت مدة بقاء قرار المنفعة العامة قبل استكمال إجراءات نقل الملكية، بما قد يؤدي إلى استمرار حالة من عدم الاستقرار القانوني بالنسبة للمالك لفترة أطول. ومن ثم، لا يزال القانون بحاجة إلى تحقيق توازن أدق بين مقتضيات سرعة تنفيذ المشروعات العامة وبين إتاحة الوقت والوسائل الكافية لأصحاب الحقوق للاعتراض والدفاع عن مصالحهم، وضمان عدم بقائهم لفترات طويلة في حالة من عدم اليقين بشأن مصير ملكياتهم أو قيمة التعويض المستحق عنها.

فعالية التظلم والطعن والرقابة القضائية

تنص المادة الخامسة من القانون رقم 10 لسنة 1990 على تشكيل لجنة تتولى حصر وتحديد العقارات والمنشآت اللازمة للمنفعة العامة، تضم مندوبًا عن الجهة القائمة بإجراءات نزع الملكية وأحد رجال الإدارة المحلية والصراف، مع إلزام اللجنة بالإعلان عن موعد الحصر وإخطار ذوي الشأن وتمكينهم من الحضور والإرشاد عن ممتلكاتهم وحقوقهم، ثم إثبات البيانات في محاضر وكشوف رسمية ومراجعتها على دفاتر المكلفات والمراجع الأخرى.

ورغم أهمية هذه الإجراءات باعتبارها ضمانات إدارية تهدف إلى حصر الحقوق وتحديد أصحابها، فإنها تكشف عن هيمنة الطابع الإداري على مختلف مراحل نزع الملكية، إذ تضطلع الجهات واللجان الإدارية بدور رئيسي في اتخاذ الإجراءات والقرارات المؤثرة في حقوق الأفراد، بينما يقتصر دور القضاء، في الأصل، على ممارسة الرقابة اللاحقة عند الطعن على القرارات والإجراءات. ويثير ذلك تساؤلات بشأن مدى كفاية الضمانات المقررة لحماية حق الملكية، خاصة أن إجراءات نزع الملكية تمس أحد الحقوق الدستورية الأساسية، وقد يترتب على تنفيذها آثار مادية وقانونية يصعب تداركها لاحقًا.

الأصل أن تُعد الضمانات القضائية أحد الركائز الأساسية لحماية الحق في الملكية الخاصة وضمان خضوع قرارات نزع الملكية لمبدأ سيادة القانون، لكننا نجد أن القانون يتيح للأفراد المتضررين الاعتراض على إجراءات الحصر وتقدير التعويض وفق الآليات المنصوص عليها فيه، أما الطعن على قرارات تقرير المنفعة العامة ونزع الملكية ذاتها، فيخضع للقواعد العامة المنظمة للرقابة القضائية على القرارات الإدارية. غير أن فعالية هذه الحماية لا تقاس بمجرد إتاحة حق اللجوء إلى القضاء، وإنما بقدرتها على توفير انتصاف عملي وناجز قبل أن تستقر آثار الإجراءات محل النزاع. وفي هذا السياق، تواجه الحماية القضائية عدة تحديات، من أبرزها القيود المرتبطة بإثبات صفة وملكية أصحاب الحقوق، وطول أمد المنازعات القضائية، فضلًا عن احتمال تنفيذ بعض إجراءات نزع الملكية أو الاستيلاء على العقارات قبل صدور حكم نهائي. وقد يؤدي ذلك إلى تحول الحماية القضائية، في بعض الحالات، من وسيلة لمنع الضرر إلى وسيلة للتعويض عنه بعد وقوعه، خاصة إذا ترتبت على التنفيذ أوضاع يصعب الرجوع عنها[11].

ومن ثم، فإن تعزيز الحماية القانونية للملكية الخاصة يقتضي تطوير آليات الفصل العاجل في منازعات نزع الملكية، وتوسيع نطاق الحماية الوقتية، وتمكين القضاء من ممارسة رقابة فعالة على مشروعية القرار الإداري وضرورة نزع الملكية وتناسبه، بما يحقق توازنًا أكثر عدالة بين مقتضيات المنفعة العامة وحقوق الأفراد، ويتفق مع الضمانات الدستورية والمعايير الدولية ذات الصلة بحماية الملكية الخاصة.

التطبيقات العملية لقانون نزع الملكية في مصر

يمثل التطبيق العملي للقانون رقم 10 لسنة 1990 مرآة حقيقية لمدى فاعلية الضمانات القانونية والدستورية المقررة لحماية الحق في الملكية، إذ أظهرت الممارسة العملية خلال العقود الأخيرة عددًا من الإشكاليات المرتبطة بمدى قدرة الإطار القانوني على تحقيق التوازن بين مقتضيات التنمية ومتطلبات حماية الحقوق الفردية. فرغم أن القانون والدستور يشترطان أن يكون نزع الملكية للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل، فإن التطبيق العملي كشف عن تحديات متعددة تتعلق بمدى كفاية الضمانات الإجرائية والموضوعية الممنوحة للمتضررين من قرارات نزع الملكية.

في إطار مشروعات البنية التحتية والطرق والمحاور المرورية والتنمية العمرانية بشكل عام، شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في استخدام قانون نزع الملكية وبشكل متسارع، الأمر الذي وصل إلى نزع ملكية 88,769 فدانًا و19,627 عقارًا و32,533 قطعة أرض و110,537 وحدة سكنية مملوكة لأكثر من نصف مليون مواطن في الفترة 2021 الى [12]2025.

أظهرت الممارسة العملية في بعض الحالات تأخرًا في استكمال إجراءات الحصر وصرف التعويضات[13]. كما أثار تقدير التعويضات منازعات بشأن مدى تناسبها مع القيمة السوقية للعقارات والأضرار المترتبة على فقدان السكن أو النشاط التجاري، بما يطرح تساؤلات حول تحقيق التوازن بين المنفعة العامة والعبء الواقع على المتضررين[14]. على سبيل المثال ظل متضررو محور عمرو بن العاص في الجيزة بلا تعويضات رغم مرور عامين على قرار نزع ملكيتهم[15]. وفي فبراير 2026، تقدم وكيل لجنة القوى العاملة في مجلس النواب، إيهاب منصور، بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزراء المالية والتخطيط والنقل والإسكان والتنمية المحلية والري والأوقاف والعدل، بالإضافة إلى رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، بشأن تأخر الحكومة في صرف تعويضات نزع الملكية للمنفعة العامة في عدد من المحافظات، من بينها محافظة الجيزة، لمدة طويلة تجاوزت أربع سنوات، وهي فترة شهدت تحرير سعر الصرف أكثر من مرة، وتراجع قيمة الجنيه بصورة كبيرة[16].

برزت تحديات مماثلة في سياق عمليات إعادة التخطيط العمراني وتطوير المناطق غير المخططة، حيث ارتبطت عمليات الإزالة وإعادة التنظيم العمراني بإشكاليات تتعلق بالحق في السكن الملائم والاستقرار المجتمعي. ففي عدد من الحالات، أثيرت مخاوف بشأن إعادة توطين السكان في بدائل سكنية لا تعادل أوضاعهم السابقة من حيث الموقع أو القيمة الاقتصادية أو القرب من فرص العمل والخدمات الأساسية، بما قد ينعكس سلبًا على أوضاعهم المعيشية[17].

كذلك أظهرت بعض التجارب غياب المشاركة المجتمعية في مراحل اتخاذ القرار، وضعف إشراك السكان المتأثرين في مناقشة البدائل المتاحة أو إبداء آرائهم بشأن مشروعات التطوير، وكذلك محدودية الشفافية إجراءات الحصر والتقدير وتحديد المستحقين للتعويض، الأمر الذي قد يؤثر على ثقة المواطنين في عدالة الإجراءات المتبعة ويزيد من احتمالات النزاع، وقد برز ذلك في تحفظ الحكومة المصرية على المعلومات الخاصة بمنطقة طوسون بمحافظة الإسكندرية، وتفاجئ الأهالي بلجان تقوم بحصر منازلهم دون معرفة مسبقة[18]، وكذلك جزيرة الوراق التي تحولت من مشروع تنموي الى حصار للسكان منذ عام 2017 لفرض عليهم اخلاء أراضيهم بالقوة[19].

ومن ثم، تكشف التطبيقات العملية للقانون رقم 10 لسنة 1990 أن التحدي الأساسي لا يتمثل فقط في وجود إطار قانوني ينظم نزع الملكية للمنفعة العامة، وإنما في ضمان التطبيق العادل والشفاف لهذا الإطار بما يحقق التوازن بين أهداف التنمية ومتطلبات حماية الحقوق الدستورية للأفراد. ويقتضي ذلك تعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية، وضمان فعالية آليات التظلم والطعن، وتطوير نظم التقييم والتعويض بما يكفل تعويضًا عادلًا ومنصفًا يعكس القيمة الحقيقية للحقوق المنزوعة، ويحد من الآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية المترتبة على نزع الملكية.

وكذلك تكشف التعديلات المتلاحقة للقانون، أنها بدلًا من أن تتجه نحو حماية المتضررين وتوفير ضمانات كافية لهم في حالات نزع الملكية، فقد عبرت عن اتجاه الدولة نحو تسريع إجراءات نزع الملكية، ولم تعالج بصورة كافية المخاوف المرتبطة بالمشاركة الفعلية للمتضررين وشفافية تقدير التعويضات وفعالية سبل الطعن والتظلم. وهو ما يثير تساؤلات بشأن مدى كفاية الوقت والوسائل المتاحة لأصحاب الحقوق للاعتراض والدفاع عن مصالحهم. ويظهر ذلك بصورة واضحة في تعديل 2015، الذي اختصر مدة الاعتراض على بيانات الحصر إلى خمسة عشر يومًا، كما خفض المدد المتاحة لتقديم المستندات والطعن على القرار الصادر بشأن الاعتراض. وفي تعديل 2020 في الوقت الذي أضاف فيه ضمانة التعويض عن التأخير، فإنه جعل مهلة إيداع كامل مبلغ التعويض ثلاثة أشهر، بعد أن كان تعديل 2018 يلزم بإيداع مبلغ التعويض خلال شهر. كما رفع مدة بقاء قرار المنفعة العامة دون إتمام إجراءات نقل الملكية من سنتين إلى ثلاث سنوات، وهو ما قد يؤدي إلى بقاء المركز القانوني للمالك معلقًا مدة أطول.

دراسة حالة مقارنة: نزع الملكية للمنفعة العامة في فرنسا

يمثل النظام الفرنسي لنزع الملكية للمنفعة العامة نموذجًا مقارنًا لكيفية تنظيم تدخل الدولة في الملكية الخاصة من أجل تنفيذ المشروعات العامة. ويُعرّف نزع الملكية للمنفعة[20] العامة في فرنسا باعتباره إجراءً يسمح للسلطة العامة بالحصول بصورة إجبارية على ملكية عقار لتحقيق غرض ذي منفعة عامة، مقابل تعويض عادل ومسبق. وتظل سلطة نزع الملكية من اختصاص الدولة، وإن كان من الممكن ممارستها لحساب الدولة أو أشخاص القانون العام، وفي بعض الحالات لحساب أشخاص خاصة مكلفة بمهمة من مهام الخدمة العامة.

تمر إجراءات نزع الملكية في فرنسا بمرحلتين رئيسيتين:

المرحلة الإدارية. وتبدأ بإجراء تحقيق عام (enquête publique) يسبق إعلان المنفعة العامة، ويهدف إلى جمع آراء ومعلومات الجمهور وتقييم المصلحة العامة للمشروع قبل اتخاذ القرار. وبعد انتهاء التحقيق، يمكن إصدار إعلان المنفعة العامة (Déclaration d’utilité publique – DUP) الذي يثبت صفة المنفعة العامة للمشروع ويسمح بمواصلة إجراءات نزع الملكية.

ويعقب ذلك تحقيق عقاري (enquête parcellaire) يهدف إلى تحديد العقارات التي يتطلب تنفيذ المشروع نزع ملكيتها والتعرف على الملاك وأصحاب الحقوق المتعلقة بها. وتنتهي هذه المرحلة بتحديد العقارات القابلة للنزع، قبل الانتقال إلى المرحلة القضائية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق ودي بشأن نقل الملكية أو قيمة التعويض.

المرحلة القضائية: يؤدي القضاء دورًا أساسيًا في النظام الفرنسي، سواء في الرقابة على مشروعية إعلان المنفعة العامة أو في المرحلة المتعلقة بنقل الملكية والتعويض. إذ يمكن الطعن في إعلان المنفعة العامة أمام القضاء الإداري، كما يتدخل قاضي نزع الملكية (juge de l’expropriation) عند عدم التوصل إلى اتفاق ودي، فيصدر أمر نزع الملكية الذي تنتقل بموجبه الملكية، ويتولى تحديد مقدار التعويض عند وجود خلاف بشأنه.

ولا تقتصر الرقابة القضائية على التحقق الشكلي من وجود قرار يقرر المنفعة العامة، وإنما طور مجلس الدولة الفرنسي ما يعرف بـرقابة الموازنة (contrôle du bilan) ووفقًا لهذا المبدأ، لا يمكن اعتبار المشروع ذا منفعة عامة إذا كانت الأضرار التي يلحقها بالملكية الخاصة أو تكلفته المالية أو آثاره الاجتماعية مفرطة مقارنة بالمصلحة التي يحققها[21].

يظهر الأثر العملي لهذه الرقابة في حكم مجلس الدولة الفرنسي الصادر في 15 أبريل 2016 بشأن مشروع خط القطار فائق السرعة بين Poitiers وLimoges فقد كان المشروع قد أُعلن ذا منفعة عامة، واستندت مبرراته إلى تحسين الربط بين المنطقة وشبكة القطارات فائقة السرعة، ودعم التنمية الاقتصادية والإقليمية وتقليل بعض الآثار المرتبطة بالنقل البري.

إلا أن مجلس الدولة لم يكتف بوجود هذه الأهداف، وإنما أجرى موازنة بين المنافع المتوقعة للمشروع والسلبيات المترتبة عليه. وأخذ في الاعتبار، من بين أمور أخرى، التكلفة المرتفعة للمشروع التي قدرت بنحو 1.6 مليار يورو، وعدم اليقين بشأن أزمنة الرحلات المتوقعة، وضعف تقييم الجدوى الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن الآثار التي يمكن أن تترتب على خطوط النقل الأخرى. وانتهى المجلس إلى أن سلبيات المشروع تفوق مزاياه على نحو يفقده صفة المنفعة العامة، ومن ثم ألغى إعلان المنفعة العامة الخاص به[22].

وتبرز أهمية هذه القضية في أنها توضح أن وصف المشروع بأنه يحقق أهدافًا تنموية أو اقتصادية لا يكفي وحده لتبرير نزع الملكية، وإنما تظل الإدارة مطالبة بإثبات أن المنافع التي يحققها المشروع تبرر الأضرار والتكاليف المترتبة عليه.

وبذلك يمكن تلخيص المسار الأساسي للإجراءات في:

التحقيق العام ← إعلان المنفعة العامة ← التحقيق العقاري وتحديد العقارات وأصحاب الحقوق ← محاولة الاتفاق الودي ← المرحلة القضائية عند عدم الاتفاق ← نقل الملكية وتحديد التعويض.

خلاصة الحالة المقارنة

تكشف الحالة الفرنسية أن تنظيم نزع الملكية لا يقتصر على تحديد إجراءات نقل الملكية والتعويض بعد اتخاذ قرار المنفعة العامة، وإنما يخضع العملية لضمانات تبدأ قبل صدور هذا القرار. فالتحقيق العام يسبق إعلان المنفعة العامة ويتيح تقييم المشروع وتلقي آراء الجمهور، ثم يجري تحديد العقارات وأصحاب الحقوق في مرحلة منفصلة، وتظل مشروعية إعلان المنفعة العامة خاضعة للرقابة القضائية. كما تسمح رقابة الموازنة للقضاء بتقييم العلاقة بين المنافع التي يحققها المشروع وبين تكاليفه وآثاره على الملكية الخاصة والمجتمع، وصولًا إلى إلغاء إعلان المنفعة العامة عندما تصبح هذه الأضرار غير متناسبة مع المصلحة المتوقعة.

النتائج والتوصيات

يتضح من تحليل القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته أن الإشكالية لا تكمن في الاعتراف للدولة بسلطة نزع الملكية للمنفعة العامة في حد ذاتها، فهذه السلطة تظل ضرورية لتنفيذ مشروعات البنية الأساسية والتطوير العمراني والمرافق العامة. بيد أن المشكلة تكمن في الضمانات التي تحكم ممارسة هذه السلطة، ومدى قدرتها على منع تحول نزع الملكية من إجراء استثنائي تفرضه ضرورة حقيقية إلى أداة واسعة تمس حقوق الأفراد دون رقابة كافية.

وبالنظر الى تجارب الدول الأخرى، وجدت الدراسة أن هناك نماذج قابلة لمراعاة حق الدولة والمواطن معا، حيث تتمثل الدلالة الرئيسية للنموذج الفرنسي بالنسبة للدراسة في إخضاع سلطة نزع الملكية لمنظومة من الضمانات السابقة على التنفيذ، لا تقتصر على تعويض المتضررين بعد تقرير المنفعة العامة، وإنما تمتد إلى فحص المنفعة العامة ذاتها، وإتاحة المشاركة قبل تقريرها، وإخضاع مبررات المشروع وآثاره لرقابة قضائية يمكن أن تنتهي إلى منع نزع الملكية إذا لم يثبت أن المصلحة العامة التي يحققها المشروع تبرر الأضرار المترتبة عليه.

وفي ضوء ما خلصت إليه الدراسة من إشكاليات تتعلق بتحديد المنفعة العامة، ومبدأي الضرورة والتناسب، والمشاركة المجتمعية، والتعويض، والحماية القضائية، تقترح الدراسة إعادة النظر في فلسفة تنظيم نزع الملكية ذاتها، بحيث لا تقتصر الضمانات على تنظيم الإجراءات اللاحقة لإعلان المنفعة العامة، وإنما تبدأ من مرحلة تقييم الحاجة إلى نزع الملكية قبل صدور القرار، وتستمر حتى استقرار أوضاع المتضررين بعد التنفيذ.

أولًا: استحداث اختبار قانوني للمنفعة العامة والضرورة

تعديل القانون رقم 10 لسنة 1990 بحيث لا يكفي إدراج المشروع ضمن إحدى فئات أعمال المنفعة العامة لإضفاء هذه الصفة عليه، وإنما تلتزم الجهة طالبة نزع الملكية بإثبات توافر ثلاثة شروط متكاملة: وجود منفعة عامة محددة وقابلة للإثبات، وضرورة اللجوء إلى نزع الملكية لتحقيقها، وتناسب الأضرار الناتجة عن النزع مع المنافع المتوقعة من المشروع.

ويجب أن يتضمن القرار بيانًا مسببًا يوضح كيفية تحقق هذه الشروط، بحيث تصبح قابلة للفحص والرقابة القضائية، بدلًا من الاكتفاء بالوصف القانوني العام للمشروع باعتباره من أعمال المنفعة العامة.

ثانيًا: إقرار مبدأ “البديل الأقل مساسًا بالملكية”

النص صراحة على عدم جواز نزع الملكية متى أمكن تحقيق الغرض العام بوسيلة أخرى معقولة وأقل مساسًا بحقوق الأفراد.

وعلى الجهة طالبة نزع الملكية أن توضح البدائل التي جرى بحثها وأسباب استبعادها، بما في ذلك تعديل مسار المشروع أو تصميمه أو نطاقه المكاني أو تقليص مساحة العقارات المطلوب نزع ملكيتها.

وبذلك ينتقل عبء إثبات ضرورة نزع الملكية إلى الجهة التي تطلبه، بدلًا من تحميل المتضرر عبء إثبات عدم ضرورته بعد صدور القرار.

ثالثًا: إنشاء ملف علني للمنفعة العامة لكل مشروع

إلزام الجهة طالبة نزع الملكية بإنشاء ملف علني موحد لكل مشروع قبل إصدار قرار المنفعة العامة، يتضمن مبررات المشروع، والخرائط والحدود الجغرافية للعقارات المطلوب نزع ملكيتها، والبدائل التي تمت دراستها، وعدد السكان والعقارات المتوقع تأثرها، والآثار الاجتماعية والاقتصادية المتوقعة، والتكلفة التقديرية للتعويضات.

ويجب إتاحة هذا الملف للجمهور والمتضررين إلكترونيًا قبل اتخاذ القرار بمدة كافية تسمح بفحصه وتقديم الملاحظات والاعتراضات عليه.

رابعًا: استحداث مرحلة قانونية سابقة على إعلان المنفعة العامة

الفصل بين اقتراح المشروع وبين إصدار قرار تقرير المنفعة العامة، من خلال استحداث مرحلة قانونية سابقة للقرار يُخطر خلالها الأشخاص والمجتمعات المتوقع تأثرهم بالمشروع، وتتاح لهم إمكانية الاطلاع على ملف المشروع وتقديم اعتراضات أو بدائل أو معلومات قد تؤثر في نطاقه.

ولا ينبغي النظر إلى المشاركة باعتبارها مجرد إجراء إعلامي، وإنما كمرحلة يمكن أن يترتب عليها تعديل المشروع أو تقليص نطاق نزع الملكية أو العدول عنه إذا ظهر بديل أقل ضررًا.

خامسًا: إدخال «رقابة الموازنة» ضمن الرقابة القضائية على قرارات نزع الملكية

في ضوء التجربة المقارنة التي تناولتها الدراسة، تقترح الدراسة تطوير الرقابة القضائية على قرارات تقرير المنفعة العامة بحيث تمتد إلى فحص التوازن بين المنافع التي يحققها المشروع من ناحية، والأضرار الواقعة على الملكية الخاصة والسكن والاستقرار الاجتماعي والتكلفة العامة من ناحية أخرى.

ويقتضي ذلك تمكين القضاء من إلغاء قرار تقرير المنفعة العامة متى ثبت أن الأضرار المترتبة عليه غير متناسبة بصورة واضحة مع المنافع التي يحققها، أو أن الغرض العام كان يمكن تحقيقه ببديل أقل مساسًا بحقوق الأفراد.

سادسًا: إنشاء مسار قضائي عاجل قبل وقوع الضرر غير القابل للتدارك

وضع نظام إجرائي خاص لمنازعات نزع الملكية يتيح الفصل العاجل في طلبات وقف التنفيذ عندما يكون من شأن استمرار الإجراءات هدم مسكن أو إزالة منشأة أو إخلاء السكان أو ترتيب أوضاع مادية يصعب الرجوع عنها.

ويجب ألا تقتصر فعالية الحماية القضائية على إمكانية الحصول على تعويض بعد وقوع الضرر، وإنما ينبغي أن تشمل القدرة على منع الضرر نفسه عندما توجد أسباب جدية للطعن في مشروعية القرار.

سابعًا: الفصل بين «تعويض الملكية» و«جبر آثار الإخلاء»

التمييز تشريعيًا بين التعويض المستحق عن الحق العيني المنزوع وبين التدابير اللازمة لجبر الآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على الإخلاء.

فعدم ثبوت ملكية الشاغل للعقار لا ينبغي أن يؤدي تلقائيًا إلى استبعاده من جميع أشكال الحماية، كما أن استحقاق المالك للقيمة المالية للعقار لا يعني بالضرورة معالجة جميع الخسائر المترتبة على فقدان المسكن أو النشاط الاقتصادي.

ومن ثم، ينبغي أن ينظم القانون بصورة مستقلة حقوق المالكين وأصحاب الحقوق العينية من جهة، والحماية المقررة للشاغلين والحائزين والمستأجرين وغيرهم من المتضررين فعليًا من الإخلاء من جهة أخرى.

ثامنًا: اعتماد «خطة حماية للمتضررين» في المشروعات واسعة النطاق

يجب ألا يبدأ تنفيذ المشروعات التي يترتب عليها إخلاء أعداد كبيرة من السكان قبل اعتماد خطة معلنة لحماية المتضررين، تتضمن عدد الأسر والأشخاص المتأثرين، وأوضاعهم القانونية والسكنية، وآليات التعويض أو إعادة التسكين عند الاقتضاء، وحماية مصادر الدخل والوصول إلى الخدمات الأساسية.

وينبغي أن تتضمن الخطة ترتيبات خاصة للأشخاص الذين قد يتعرضون لآثار أشد نتيجة الإخلاء، بمن فيهم كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة والأسر ذات الموارد المحدودة.

تاسعًا: إنشاء سجل وطني مفتوح لنزع الملكية

إنشاء سجل وطني إلكتروني موحد تنشر من خلاله جميع قرارات تقرير المنفعة العامة ونزع الملكية، ومساحات الأراضي والعقارات المتأثرة، والجهة طالبة النزع، والغرض من المشروع، وعدد المتضررين، وقيمة التعويضات المقدرة، وتاريخ إيداعها وصرفها، وحالة تنفيذ المشروع.

كما يسمح السجل بتتبع مصير العقارات بعد نزع ملكيتها، بما يتيح التحقق من استمرار استخدامها للغرض الذي برر نزع الملكية من أجله.

عاشرًا: إخضاع استمرار المنفعة العامة للمراجعة بعد نزع الملكية

يجب ألا تنتهي الرقابة القانونية بمجرد انتقال الملكية، وإنما يلتزم القانون الجهة المستفيدة باستخدام العقار خلال مدة محددة وللغرض الذي صدر قرار المنفعة العامة من أجله.

وفي حالة عدم تنفيذ المشروع، أو التخلي عنه، أو تغيير استخدام العقار بصورة جوهرية إلى غرض لا يبرر نزع الملكية، ينبغي تقرير آلية قانونية واضحة تسمح بمراجعة استمرار الاحتفاظ بالعقار، والنظر في أولوية المالك السابق أو ورثته في استرداده وفق ضوابط يحددها القانون.

حادي عشر: إنشاء نظام للتقييم اللاحق لآثار نزع الملكية

إجراء تقييم دوري للمشروعات الكبرى بعد تنفيذها لقياس ما إذا كانت المنفعة العامة التي استند إليها قرار نزع الملكية قد تحققت بالفعل، ومقارنة المنافع المتحققة بالتكاليف الاقتصادية والاجتماعية التي تحملها المتضررون.

وتُنشر نتائج هذه التقييمات بصورة دورية، بحيث تتحول الخبرة المتراكمة من تطبيق القانون إلى أداة لتحسين القرارات المستقبلية، بدلًا من التعامل مع كل قرار نزع ملكية باعتباره حالة منفصلة تنتهي بانتهاء إجراءات نقل الملكية.

 

 

المراجع

[1]  قانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، متاح هنـــــا.
[2]  قرار وزاري رقم 20 لسنة 2019 بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، متاح هنـــــا.
[3] قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 1 لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، متاح هنــــــــــــا.
[4]  قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 24 لسنة 2018 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، متاح هنــــــــــــا.
[5] قانون رقم 187 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، متاح هنــــــــــــا.
[6] الأمم المتحدة، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم 2200 ألف (د-21) في 16 ديسمبر 1966، ودخل حيز النفاذ في 3 يناير 1976. وقّعت عليه جمهورية مصر العربية في 4 أغسطس 1967، وصدّقت عليه في 14 يناير 1982، ودخل حيز النفاذ بالنسبة لمصر في 14 أبريل 1982، مجموعة معاهدات الأمم المتحدة، المجلد 993، ص. 3. متاح هنـــا.
[7] لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام رقم (4): الحق في السكن الملائم (المادة 11، الفقرة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، اعتمدته اللجنة في دورتها السادسة عام 1991، وثيقة الأمم المتحدة رقم E/1992/23، الملحق الثالث. متاح هنــــا.
[8] لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام رقم (7): الحق في السكن الملائم (المادة 11، الفقرة 1 من العهد): حالات الإخلاء القسري، اعتمدته اللجنة في دورتها السادسة عشرة في 20 مايو 1997، وثيقة الأمم المتحدة رقم E/1998/22، الملحق الرابع. متاح هنــــــــا.
[9] الدعوى 18 لسنة 13 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية رقم 18 لسنة 13 بتاريخ 15/05/1993، متاح هنــــــــا.
[10]  الطعن رقم 13522 لسنة 89 قضائية، الصادر بجلسة 1 سبتمبر 2022، متاح هنــــــــا.
[11]  نص المادة 14 من القانون رقم 10 لسنة 1990 والتي تنص على” يكون للجهة طالبة نزع الملكية الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على العقارات التي تقرر لزومها للمنفعة العامة، وذلك بقرار من رئيس الجمهورية أو من يفوضه، ينشر في الجريدة الرسمية ويشمل بياناً إجمالياً بالعقار واسم المالك الظاهر مع الإشارة إلى القرار الصادر بتقرير المنفعة العامة. ويبلغ قرار الاستيلاء لذوي الشأن بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول يعطون بموجبه مهلة لا تقل عن أسبوعين لإخلاء العقار. ويترتب على نشر قرار الاستيلاء اعتبار العقارات مخصصة للمنفعة العامة ويكون لذي الشأن الحق في تعويض مقابل عدم الانتفاع بالعقار من تاريخ الاستيلاء الفعلي إلى حين دفع التعويض المستحق عن نزع الملكية. ويتم تقدير التعويض عن عدم الانتفاع بمعرفة اللجنة المنصوص عليها في المادة (6) من هذا القانون خلال شهر من تاريخ الاستيلاء، وتقوم الجهة القائمة بإجراءات نزع الملكية بإعلان ذي الشأن بذلك، وله خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إعلانه بقيمة التعويض حق الطعن على هذا التقدير على النحو المبين بالمادة (9) من هذا القانون. ولا يجوز إزالة المنشآت أو المباني إلا بعد انتهاء الإجراءات الخاصة بتقدير قيمة التعويضات تقديراً نهائيًا.
[12] ديوان العمران. 1 يونيو 2026، باسم المنفعة العامة، نزع ملكية 88.8 ألف فدان في خمسة أعوام، متاح هنـــــا.
[13] After the Eviction “Governmental Developments” Displace Thousands of Families in Egypt” ARIJ Published on: 22 April 202. Accessed on: 30 July 2026. Available here
[14] ديوان العمران، 14 يونيو 2026، تقرير ديوان العمران يتحول الى وثيقة مساءلة للحكومة المصرية، متاح هنــــا.
[15]  موقع متصدقش، 6 أغسطس 2024، رغم مرور عامين على قرار نزع الملكية.. متضررو محور عمرو بن العاص بلا تعويضات حتى الآن، متاح هنــــــا.
[16] موقع العربي الجديد، 5 فبراير 2026، 4 سنوات دون صرف تعويضات نزع الملكية في مصر، متاح هنـــــــــا.
[17] إبراهيم عزالدين، مبادرة الإصلاح العربي، 18 يوليو 2024، تجمعات عمرانية جديدة كبدائل لسكان المناطق العشوائية في مصر: دراسة حالة منطقة الأسمرات، متاح هنـــــــــــا.
[18] دينا شعبان، ديوان العمران، 30 سبتمبر 2025، طوسون على خطى جزيرة الوراق.. سيناريو يتكرر، متاح هنـــــــــــــا.
[19]  إبراهيم عزالدين، معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، 28 ابريل 2025، تحت الحصار: كيف دمّرت خطط التطوير حياة سكان جزيرة الورّاق؟ متاح هنـــــــــــــا.
[20] الجمهورية الفرنسية، قانون نزع الملكية للمنفعة العامة (Code de l’expropriation pour cause d’utilité publique)، قاعدة التشريعات الفرنسية الرسمية Légifrance، النسخة النافذة، متاح هنــــــا
[21] مجلس الدولة الفرنسي، حكم 28 مايو 1971، رقم 78825، قضية (Ville Nouvelle Est)، منشور في مجموعة أحكام لوبون (Recueil Lebon)، متاح هنـــــا.
[22] مجلس الدولة الفرنسي، حكم 15 أبريل 2016، رقم 387475، بشأن مشروع خط القطار فائق السرعة بواتييه–ليموج (LGV Poitiers–Limoges)، منشور في مجموعة أحكام لوبون (Recueil Lebon، متاح هنـــــا.
مشاركة الموضوع

إصدارات ذات صلة