تعد قضية الإيجار القديم في مصر من أكثر القضايا العقارية تعقيدًا، حيث نشأت نتيجة تداخلات قانونية تاريخية أفضت إلى تشابك العلاقة بين الملاك والمستأجرين. على مدار عقود، تبنّت الحكومات المتعاقبة نهجًا قائمًا على غض الطرف عن هذه الإشكالية، مفضّلة تجنّب المواجهة المباشرة، مما أدى إلى استمرار الأزمة دون حلول حاسمة. وظل الملف عالقًا أمام القضاء لسنوات طويلة دون تدخل تشريعي واضح، ما ساهم في تعميق الفجوة بين القيمة الإيجارية المحددة قديمًا وأسعار السوق الحالية، وظهور طرف ثالث، وهم المستثمرون، الذين يسعون للسيطرة على هذه الوحدات، خاصة تلك التي تتمتع بقيمة عقارية مرتفعة.
هذا المقال هو الأول ضمن سلسلة من أربعة مقالات تحليلية، مستندة إلى الورقة البحثية التي أعدها الباحث إبراهيم عز الدين بعنوان “نظام الإيجار القديم والتحديات التشريعية والعمرانية في مصر“، والتي نُشرت بواسطة المفوضية المصرية للحقوق والحريات في 21 أبريل 2025. تهدف هذه السلسلة إلى تفكيك الجوانب القانونية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المرتبطة بنظام الإيجار القديم، وتقديم قراءة نقدية للتوجهات الرسمية الحالية وأثرها على الفئات الاجتماعية المختلفة.
يطرح نظام الإيجار القديم إشكالية مزدوجة، تتعلق بالتوازن بين العدالة الاجتماعية وحقوق الملكية العقارية، في ظل التحولات الاقتصادية والسياسات العمرانية الحديثة. فمن ناحية، يُعد هذا النظام شبكة أمان لشرائح واسعة من الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، الذين يعتمدون عليه لضمان استقرارهم السكني. ومن ناحية أخرى، فإن تثبيت القيمة الإيجارية يؤدي إلى خسائر كبيرة للملاك ويعيق الاستثمار العقاري، مما يدفع الدولة إلى تبني سياسات لتحرير السوق تتماشى مع استراتيجياتها التنموية.
تكمن الإشكالية في كيفية تحقيق توازن عادل لا يكون على حساب الفئات الهشة، ولا يتحول إلى وسيلة لتعظيم أرباح الدولة أو الشركات العقارية. بدأت مصر في اتخاذ خطوات تشريعية نحو إنهاء هذا النظام، في وقت تفتقر فيه الحكومة إلى أدوات فعالة لضبط السوق العقارية، حيث يُترك تحديد القيمة الإيجارية لآليات العرض والطلب، بالتوازي مع دفع الدولة نحو تعزيز الاستثمار والتنمية العمرانية.
غير أن هذه السياسات كثيرًا ما تؤدي إلى الإخلاء القسري والاستيلاء على منازل السكان، تحت غطاء مشروعات التنمية، في انحياز واضح لرأس المال. ومع اشتداد الضغوط المعيشية وارتفاع التضخم، أصبحت مسألة تعديل قوانين الإيجار القديم مطلبًا مُلحًا من وجهة نظر الدولة والملاك، لكنها في الوقت ذاته تُثير مخاوف حقيقية لدى المستأجرين الذين يفتقرون إلى بدائل سكنية ميسورة.
تدخل الدولة في القضية
في أكتوبر 2023، أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي في أحد خطاباته إلى ضرورة تدخل الحكومة لحل قضية الإيجارات القديمة. وبعد هذا التصريح بعام، وفي نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا بعدم دستورية مادتين من القانونين 49 لسنة 1977 و136 لسنة 1981، المتعلقتين بثبات القيمة الإيجارية.
رغم أن قضية الإيجارات القديمة، ممتدة منذ عشرات السنوات، وسط مطالبات الملاك بإيجاد حلول لها، وتخوفات المؤجرين من الطرد، إلا أنه لم يكن هناك أي تحرك ملموس من قبل البرلمان. ورغم أن القضية التي حكمت فيها الدستورية العليا منظورة أما القضاء منذ نحو 26 عام، ولم يتخذ فيه أي إجراء طيلة هذه السنوات، ومثيلتها من القضايا المنظورة أيضا أمام المحاكم المصرية، الا أن حكم المحكمة جاء مباشرة بعد عام من إشارة رئيس الجمهورية وتوجيهه بحل هذه القضية، ثم التحرك العاجل لمجلس النواب بإعداد مشروع قانون جديد بخصوص الإيجار القديم، وهذا ما يعكس السياسة العامة للدولة التي أصبحت تدار فقط من قبل رئيس الجمهورية، وما عدا ذلك فإن أجهزة الدولة لن تحرك ساكنا، وهو ما انعكس على تصريحات رئيس لجنة الإسكان بالبرلمان المصري، بأن العمل جارٍ بناءً على توجيهات السيد الرئيس. ومن هنا يثار السؤال عن مدي استقلالية هذه السلطات ووجود تأثير سياسي في اتخاذ القرارات المتعلقة بالقضايا المجتمعية.
ألزمت المحكمة البرلمان المصري بتعديل النظام قبل نهاية الفصل التشريعي الحالي في يونيو 2025. إلا أن المهلة القصيرة قد لا تسمح بإجراء دراسات كافية لضمان صدور قانون عادل ومتوازن. هناك مخاوف من تجاهل آراء المتأثرين بالقانون، مثل الملاك والمستأجرين، مما قد يؤدي إلى تشريع غير مستدام أو غير منصف. وإذا لم يتم إصدار القانون في الموعد المحدد، فبحسب حكم المحكمة، سيتم تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر تلقائيًا، مما قد يترتب عليه تغييرات جذرية في سوق الإيجارات.
تُطرح هنا تساؤلات حول مدى قدرة الدولة على تحقيق توازن فعلي بين مصالح جميع الأطراف، بما لا يُبقي الملاك في أوضاع مجحفة ولا يُعرّض المستأجرين لخطر الإخلاء، خصوصًا في ظل غياب سياسات إسكانية داعمة للفئات الضعيفة. فاستمرار غياب رؤية واضحة قد يؤدي إلى تصاعد التوترات الاجتماعية، لا سيما في المدن الكبرى، حيث تتركز نسبة كبيرة من وحدات الإيجار القديم.
الوضع الراهن لنظام الايجار القديم والأسر المستفيدة
وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2017، يبلغ إجمالي عدد الأسر في مصر 23,455,079 أسرة، في حين يصل عدد الأسر التي تعتمد على نظام الإيجار القديم إلى 1,642,870 أسرة، ما يمثل 7.0% من إجمالي الأسر المصرية (شكل 1)، بينما يصل حجم الوحدات العقارية الخاضعة لنظام الإيجار القديم إلي 3,019,662 وحدة، يستحوذ الاستخدام السكني على نسبة 54% من الإستخدامات، بينما 46% من الوحدات تسخدم لأغراض أخري تجارية، إدارية، .. (شكل 2)

شكل 1 نسبة الإيجار القديم الى الحيازات الأخرى

شكل 2 استخدامات الوحدات الخاضعة لنظام الإيجار القديم
تتوزع الوحدات الخاضعة الى نظام الإيجار القديم على كامل المساحة الجغرافية لمصر، لكن تتركز النسبة الأكبر في إقليم القاهرة الكبرى، ومحافظة الإسكندرية، حيث تستحوذ محافظة القاهرة على النصيب الأكبر بنحو 670,857 أسرة، تليها محافظة الجيزة بنحو 308,091 أسرة ثم محافظة الأسكندرية بنحو 213,147 أسرة، ثم محافظة القليوبية بنحو 150,961 أسرة. (شكل 3).

شكل 3 توزيع وحدات الإيجار القديم على محافظات مصر
يبلغ إجمالي عدد الأسر في أربع محافظات رئيسية في مصر 1,343,056 أسرة، وهو ما يمثل حوالي 81.75% من إجمالي الأسر المستأجرة بنظام الإيجار القديم في البلاد. توزع هذه الأسر كالتالي: 670,857 أسرة في القاهرة (40.83% من الإجمالي)، 308,091 أسرة في الجيزة (18.75%)، 213,147 أسرة في الإسكندرية (12.97%)، و150,961 أسرة في القليوبية (9.19%). بذلك، تمثل هذه المحافظات الأربع النسبة الكبرى من الأسر المستأجرة بالإيجار القديم في مصر. (شكل 4)

شكل 4 نسبة الايجار القديم في أربعة محافظات رئيسية
يدفع ثلث الأسر المستأجرة أقل من 50 جنيهًا شهريًا، و20% تدفع بين 50 و100 جنيه، و19% بين 100 و200 جنيه، تاريخيًا، شكلت أسر الإيجار القديم 29% من سكان مصر في السبعينيات، ثم انخفضت إلى 7% بحلول 2017، وتراجعت الأعداد من 2.8 مليون أسرة عام 1996 إلى 1.6 مليون أسرة في 2017.
إذن نحن اليوم أمام مرحلة حاسمة في مسار قضية الإيجار القديم، حيث تتجه الدولة نحو تعديل جذري قد يُحدث تحولات واسعة في السوق العقارية ويؤثر بشكل مباشر على ملايين المواطنين. وبينما تقترب المهلة الدستورية من نهايتها، يبقى السؤال مطروحًا: هل ستتمكن الحكومة من صياغة قانون عادل يوازن بين الحقوق والمصالح المختلفة، أم أننا على أعتاب أزمة اجتماعية جديدة؟