إكرام الميت.. نقله! هدم جبانة باب النصر ونقل الرفات إلى الروبيكي

“كنت فاكر إن آخر مرة هشوف أمي فيها وقت ما قفلت القبر من عشر سنين، لكن القدر خلاني أفتح القبر تاني وألم رفاتها في قطعة قماش”. أحمد السيد، شاب أربعيني يحكي عن مأساة نقل رفات والدته من جبانة باب النصر بعد قرار منع الدفن بها، ونقل الرفات الى مناطق أخرى.

ففي عام 2024  أصدر محافظ القاهرة القرار رقم 1117، بإيقاف الدفن في مقابر باب النصر التاريخية، ونقل الرفات إلى مدافن بديلة، وذلك ضمن خطط تطوير العاصمة لصالح بناء مولات وجراجات.

تُعد جبانة باب النصر ثاني أقدم مقابر القاهرة، إذ تعود نشأتها إلى القرن العاشر الميلادي في أعقاب الحكم الفاطمي لمصر، أي أنها تجاوزت الألف عام من عمرها. تشير الروايات التاريخية إلى أنها بدأت بالظهور بعد دفن بدر الجمالي، أمير الجيوش، وإن ظل موقع مدفنه مجهولًا ويُعتقد أنه قد يكون في ضريح الشيخ يونس، تميزت الجبانة بطرازها المعماري الفريد الذي يجمع بين البساطة والرمزية، حيث تضم شواهد خشبية نادرة تمثل موروثًا استثنائيًا لحياة المصريين وعاداتهم الجنائزية عبر القرون.

القضاء على التراث والتاريخ

وصف مسؤول سابق بوزارة السياحة والآثار، ما يحدث بـ”الجريمة كاملة الأركان”، مؤكدًا أن الإزالة تتم لتشييد جراج يخدم مولًا تجاريًا وفنادق، دون أي إشراف أثري، والأخطر هو منع توثيق ما يُهدم، يقول: “في الماضي كانوا يطالبوننا بتوثيق كل حجر نُرممه، الآن يمنعوننا من توثيق ما يهدمونه، لا أرشفة، ولا جرد، ولا احترام للميت”، وأشار إلى أن عمليات هدم مقابر باب النصر تجري على خمس مراحل، وبلغت نسبة الإزالة حتى الآن نحو 30%، مضيفًا أن “الهدف إخلاء المساحة لبناء جراج يخدم مولًا تجاريًا ومجموعة فنادق جديدة على بُعد أمتار من جامع الحاكم بأمر الله دون إشراف أثري أو تنسيق مع الجهات المختصة”.

في حديثة إلى ديوان العمران أشار الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للآثار، إلى أن جبانة باب النصر مسجلة ضمن القاهرة التاريخية لدى اليونسكو منذ عام 1979، فهي ثاني أقدم جبانة في العاصمة، أُنشئت في العصر الفاطمي، وتضم كنوزًا معمارية فريدة مثل ‘المقاصير’ الخشبية، وهي شواهد تاريخية. 

يقول ريحان لديوان العمران “إن استمرار الهدم يعرض تراث العاصمة العالمي للخطر، حيث إن القيمة التاريخية لهذا المكان لا تكمن في حجارته فقط، بل فيمن يرقدون تحتها، من عمالقة الفكر والتاريخ الإسلامي؛ من النحوي الشهير ابن هشام، والفقيه تقي الدين السبكي، إلى الحافظ الدمياطي والمؤرخ ابن التركماني والشاعر ابن نباتة المصري، أسماؤهم وتراثهم مدون في كتب المزارات القديمة، وهدم مقابر هؤلاء يعني أنك تهدم مكتبة من العقول التي شكلت جزءًا من هويتنا، وتخبر العالم أننا لم نعد نكترث لمن صنعوا تاريخنا”. وطالب ريحان، بتشكيل لجان علمية وقانونية من وزارة السياحة والآثار ومحافظة القاهرة وجهاز التنسيق الحضاري وتصنيف هذه المقابر لتوفير الحماية القانونية لها.

لجان الحصر والتعويضات

تحدث «ديوان العمران» إلى محمد سعيد أحد مسؤولي ملف التعويضات، الذي أوضح أن جبانة باب النصر، تمتد على مساحة تقدر بـ 12 فدانًا، وتضم 42 منطقة فرعية (شياخة)، ورغم عدم الإعلان عن خطة واضحة للإزالة، فإن العمل جارٍ على إزالة أجزاء من 11 إلى 12 منطقة منها، موضحا أن الإزالة تكون حسب المساحة المطلوبة للمشروع والتي قد تشمل المقبرة بأكملها أو جزءا منها.

وبحسب سعيد فإنه تقرر نقل جبانة باب النصر إلى مقابر الروبيكي الواقعة بالظهير الصحراوي لمدينة العاشر من رمضان قرب مدينة بدر وطريق الإسماعيلية الصحراوي، ضمن مشروع ضخم تشرف على تنفيذه الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، ويضم 400 ألف مدفن، تم الانتهاء من نحو 80% منها.

وفيما يخض لجان الحصر، يقول سعيد: أن هناك حصرين مختلفين لمنطقة باب النصر، الأول أعده حي وسط القاهرة عام 1980، وكان حصرا مرنًا، في اثبات ملكية المقبرة ولا يحتاج الى اثباتات معقدة، والثاني جاء من لجنة تابعة للإسكان، شُكّلت وبدأت أعمالها في فبراير 2025، بعضوية عدة جهات حكومية، ممثلون عن وزارة الإسكان، والجهات الأمنية “شرطة المرافق”، وممثل حي وسط القاهرة، ورئيس إدارة جبانات القاهرة، ورئيس القسم الفني بها. حيث تتولى اللجنة مسؤولية حصر المقابر بشكل دقيق، ومراجعة مستندات الملكية وحق الانتفاع، وتحديد آلية التعويض للمتضررين من قرارات الإزالة. 

أوضح سعيد، أن لجنة الحصر الميداني التي تتبع جهاز التسكين بمحافظة القاهرة، جعلت اثبات الملكية أكثر تعقيدا وتسببت في استبعاد مئات المقابر من الكشوف، حيث أسقطت 300 وحدة دفن بمقابر باب النصر من السجلات، من أصل 1200 مدفن، وتجاهلت الكشوفات الموثقة، مشيرًا إلى أن اللجنة نظرت إلى ما فوق الأرض؛ إذا رأت بابًا واحدًا، سجلتها مقبرة واحدة، متجاهلة أنها قد تضم تحتها أربع عيون لأربع عائلات مختلفة. وأشار أن الأزمة لا تقف فقط عند حدود الإسقاط الإداري، فهناك حالات وفيات لا يجد ذووها مكانًا لدفنها، إذ إن اللجنة لا تعترف بوجود المقابر، والمنطقة موقوف فيها الدفن حاليًا، كما نُقلت بعض الأسر دون إشراف مباشر، ودُمجت عائلات مختلفة في مقبرة واحدة، في مخالفة صريحة للشرع والعرف والإجراءات.

يضيف محمد سعيد، أن الأزمة تتكرر بصور مختلفة في أكثر من 11 منطقة أخرى خضعت للإزالة أو الحصر، ما يستدعي تدخلاً عاجلًا لإعادة النظر في آليات عمل اللجنة، حيث إن خطة الإزالة تطال 5 مناطق مركزية من أبرز جبانات القاهرة الكبرى وتتمثل في “الإمام الشافعي، السيدة نفيسة، باب النصر، طرة البلد، العرايشة المجاورة لمنطقة السيدة عائشة”. ويؤكد أن هذه المناطق تضم في داخلها عشرات المناطق الفرعية التي تخضع بدورها لعمليات حصر تمهيدًا للإزالة، وهو ما يعني أن أعداد المتضررين تتزايد بشكل غير معلن، في ظل غياب قاعدة بيانات موثقة أو آلية شفافة لتعويض الأهالي.

بيروقراطية إثبات الملكية

يظل الوضع القانوني للمقابر قائمًا على “حق الانتفاع” لا الملكية، وهو حق ينتقل إلى الورثة الشرعيين وفقًا للقانون رقم 5 لسنة 1966، بينما يتخذ الأهالي طريقا طويلا لإثبات ملكيتهم للمقبرة المدفون بها ذويهم، في حالة عدم ملكيتهم للمستندات الرسمية، فيتجهون إلي إدارة الجبانات في المحافظات والمجالس المحلية كونها الجهة المسؤولة عن القيد الرسمي وتحتفظ بسجلات خاصة لكل جبانة، تتضمن بيانات الأحواش وأسماء المنتفعين بها وتواريخ تراخيصها، وطلب البحث في السجلات القديمة باسم الجد أو المنتفع الأصلي، مع تقديم ما يثبت تسلسل الورثة عبر إعلام الوراثة وشهادات الميلاد، والاستعانة بشهادات الشهود أو “التُربي” المسؤول عن الجبانة لإثبات أن المقبرة في حيازة الأسرة منذ أجيال. في بعض الحالات، تُشكل لجان معاينة للتأكد من صحة الادعاء، ويمكن تدعيم الموقف بمحضر إثبات حالة أو صور قديمة.

الرد الرسمي المتباين والبعيد عن الواقع

أمام هذا الواقع، تبدو الرواية الرسمية وكأنها تتحدث عن واقع آخر، يقول مدير إدارة الجبانات في محافظة القاهرة لـ«ديوان العمران» ، إن إسقاط نحو 300 مقبرة بباب النصر من كشوف الحصر “غير دقيق”، وأن العدد الفعلي لا يتجاوز الـ 25 مقبرة تم تأجيل إدراجها مؤقتًا لأسباب فنية، مؤكدًا أن من يثبت حقه بالمستندات أي أوراق الملكية من قبل الأهالي يتم إدراجه على الفور، وأن لجنة الحصر الميداني واجهت صعوبات في تسجيل هذه المقابر نتيجة تدهور حالتها، مشيرًا إلى أن بعضها كان “مهدمًا كليًا، أو محروقًا، أو مردومًا”، بينما تُركت أخرى مهجورة لعقود، ما حال دون التحقق من ملكيتها أو وجود دفن حديث بها. حيث إن اللجنة تتعامل مع المقبرة كوحدة واحدة وليس كوحدات فرعية، قائلًا: “بعض الأهالي يطالبون بتعويض منفصل لكل عين داخل المقبرة، لكننا نتعامل وفقًا لما هو قائم؛ العائلة التي كانت تدفن في مكان واحد، تحصل على مدفن بديل مشترك.

المهندس أحمد غالب، وكيل إدارة الجبانات بمحافظة القاهرة، وعضو اللجنة الميدانية، أوضح لـ«ديوان العمران» أن اللجنة تعمل داخل نطاق يبلغ 2.6 فدان، وأن طبيعة المنطقة التاريخية المعنية، عقّدت من مهمة الحصر، حيث إنها تضم مدافن عشوائية شُيّدت قبل صدور قانون الجبانات، وأصبحت غير ظاهرة المعالم، وبعضها يحتوي على أكثر من “عين دفن” غير مسجلة بشكل منفصل. نافيا معرفته بالمشروع الذي سيُقام على الأرض، حيث إن دور إدارة الجبانات هو الإشراف على نقل الرفات وتوفير البدائل، ولا علاقة لها باستخدامات الأرض بعد التطوير. كما نفي إسقاط اللجنة 300 أو 25 مقبرة، موضحًا أن هذه التقديرات لا تستند إلى مراجعة دقيقة بين نتائج الحصر الميداني والسجلات الرسمية، وكان المحضر الأولي للجنة رصد وجود 1,105 حالة استلام.

بالرجوع مرة أخري إلى محمد سعيد، ومواجهته بتصريحات مدير إدارة الجبانات بالقاهرة، أكد أن هذه التصريحات غير دقيقة، وأضاف بحدّة: “لما مسؤول يرد ويقول ما فيش غير 25، فده معناه إنك بتختزل مشكلة مئات الأسر، الناس مش هتشتكي إلا لما يكون في حق ضايع، ووجود هذا الكم من الشكاوى معناه إن في مشكلة حقيقية على الأرض”.

في 10 أغسطس 2025، عُقد اجتماع للجنة العليا بمحافظة القاهرة، وفي 13 أغسطس، أقرت لجنة المعاينة بوجود أخطاء، موثّقة تضرر نحو 300 قطعة أرض في مناطق متفرقة، منها المنطقتان الأولى والرابعة، وفقاً لتصريح المهندس رضا عبد الحميد، رئيس القطاع الفني بإدارة الجبانات لـ«ديوان العمران».

الأهالي يبكون على رفات ذويهم

يروي مصطفى عبد الرحمن، وهو رجل ستيني، حكايته لـ«ديوان العمران»، قائلا: ورثنا مقبرة العائلة في باب النصر عن الأجداد وكانت ملتقى العائلة الأخير، نزورها في الأعياد، ونقرأ الفاتحة على أرواح من سبقونا، ومثل الكثير فنحن لا نملك اثبات ملكية، ووصفت لجنة المعاينة مدفن جدي بأنه “أشبه بعشة فراخ”، ولم يصبح لنا الحق في التعويض، وعند شكوتي في المحافظة لم أحصل على “حق أو باطل”، أين أذهب الآن برفات خمسة أجيال من عائلتي؟”. 

في شهادات أخرى لـ«ديوان العمران»، قال الأهالي إنهم فوجئوا بأن بعض تقارير اللجنة وصفت مقابرهم بأنها “متهدمة ومهملة” أو “مبنية بدون ترخيص”، وكأن الموتى يلزمهم أوراق رسمية كي يُعترف بهم، أو تصاريح كي يُدفنوا بكرامة.

الفوضى لم تتوقف عند إسقاط الأسماء، بل امتدت لتخلط الأموات ببعضهم البعض، يروي “رضا عرفة”، شاب في الثلاثينيات: “مدفننا بناء واحد لكن به ثلاث عيون، واحدة لنا، وواحدة لعائلة عمي، والثالثة لجيراننا، لكن اللجنة سجلت المقبرة كلها باسم عائلة واحدة، عائلة الجيران”، ولما جينا ندفن جدي اضطرينا ندفنه في نفس العين مع ناس غريبة”.

اكراميات التربي، والفصال على نقل الرفات

كما الحال في الأزمات التي تشهدها مصر، تظهر فئة تستغل الوضع لتحقيق أكبر منفعة منها، وفي هذه الأزمة ظهر “التُربي” الحارس المسؤول عن المقبرة، حيث رصد ديوان العمران طلب بعض التربية من الأهالي مبالغ تصل إلى 20 ألف جنيه مقابل نقل رفات الموتى إلى المقابر الجديدة.

قالت فاطمة محمد (49 عامًا) لـ «ديوان العمران»: “التربي طلب مني 17 ألف جنيه لفتح المقبرة ونقل العظام للمقابر البديلة، وهذا مبلغ كبير خاصة أني أجهّز ابنتي للزواج”، الأمر الذي أكده أحد سكان الجمالية، الذي تمتلك عائلته مدفنين في باب النصر، قائلا “طُلب منّا بين 17 و20 ألف جنيه لنقل رفات العائلة”.

في المقابل، استنكر وكيل إدارة الجبانات بالقاهرة هذه الشكاوى، مؤكداً أن الأرقام المتداولة مبالغ فيها وصعب تصديق أن أحداً دفع مثل هذه المبالغ. وأوضح أن هناك لجنة تُسمى “لجنة التُرَبية” لمحاسبة المخالفين، داعياً المواطنين للتواصل معه مباشرة إذا تعرضوا لابتزاز. كما شدد على أن خدمات النقل من المقبرة القديمة إلى الجديدة، والمستلزمات مثل الكفن وعربة النقل، تُقدَّم دون تحميل الأهالي مبالغ رسمية، وأن التُربي ليس موظفاً بأجر، بل يعتمد على “السنوية” أو إكراميات بسيطة.

من جانبه، أقرّ مدير إدارة الجبانات بوجود تجاوزات فردية، لكنه رفض تعميمها، مؤكداً أن المحافظة لا تتقاضى أي مقابل رسمي لعملية النقل، وأن ما يطلبه بعض التُرَبية يقتصر على خدمات لوجستية غير رسمية، مضيفاً أن الحالات الإنسانية يتم نقل رفاتها مجاناً، كما نفى صحة ما تردد عن مطالبة أحد التُرَبية بـ 17 ألف جنيه لنقل رفات مقبرتين، معتبراً الرقم “مبالغاً فيه ومستحيلاً”.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email

متعلقة