استمرار تجريف حديقة المسلة، وبيان غير دقيق لمجلس الوزراء

تواصل الحكومة المصرية تجاهل الأضرار البيئية الناجمة عن إزالة المسطحات الخضراء لصالح المشاريع الاستثمارية الضخمة، متجاهلة في الوقت ذاته آراء السكان والخبراء المختصين. في 25 مارس 2025، نفى المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ما تداولته بعض صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية بشأن أعمال تجريف وهدم وقطع للأشجار والنباتات النادرة في حديقة المسلة التراثية بمنطقة الزمالك في القاهرة. وأوضح أن الجهات الحكومية المختصة أكدت أن الأعمال الجارية تهدف إلى تطوير الحديقة ورفع كفاءتها ضمن خطة شاملة للاستفادة من مقوماتها، وذلك بموافقة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ووفقًا للدليل الإرشادي لتطوير الحدائق التراثية، وبمشاركة خبراء في مجالات الزراعة، والحدائق التراثية، والترميم، والآثار.

في المقابل، تؤكد الحكومة حرصها على الحفاظ على الحدائق التراثية والتاريخية في مختلف المحافظات، مشيرة إلى تنفيذ مشروعات تطوير ورفع كفاءة للعديد منها وإعادة افتتاحها أمام المواطنين. كما شددت على أن جميع الأشجار والنباتات النادرة داخل تلك الحدائق قد تم الحفاظ عليها، رغم ما يتردد حول استمرار إزالة الغطاء الأخضر في بعض المناطق، ما يثير التساؤلات حول مدى توافق هذه المشروعات مع الاعتبارات البيئية والحفاظ على التراث الطبيعي.

بيان مجلس الوزراء مناقض للوضع الراهن

رغم التأكيدات الرسمية بشأن الحفاظ على المساحات الخضراء في حديقة المسلة، فإن المشاهدات الميدانية تكشف واقعًا مغايرًا، حيث تم تجريف أجزاء واسعة من الحديقة، مع صب كتل خرسانية وإقامة هياكل معدنية متعددة الطوابق. وبعد يومين فقط من بيان مجلس الوزراء، نشرت صفحة “الزمالك تنتفض” على فيسبوك صورًا من داخل الحديقة، تُظهر أعمال التجريف وتناقض الرواية الرسمية. وفي 29 مارس، أعلن القائمون على الصفحة عن جمع 5,038 توقيعًا على عريضة تطالب بوقف الإنشاءات، وتم إرسالها إلى رئاسة مجلس الوزراء للمطالبة بالحفاظ على الحديقة.

تقدمت النائبة سميرة الجزار، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة بشأن غلق حديقة الزهرية والتخطيط لهدمها لإنشاء مشاريع تجارية، مما قد يؤدي إلى التفريط في النباتات النادرة بها. وأوضحت أن هناك حالة من الغضب بين سكان منطقة الزمالك بعدما فوجئوا بإخطار من جهة سيادية لإدارة الحديقة بغلقها ونقل إدارتها إليها في 8 أكتوبر 2024 لتطوير الحديقة. تساءل سكان الزمالك وجمعيات البيئة عن دور الجهة السيادية في تطوير الحديقة المجاورة لبرج القاهرة.

أشارت الجزار إلى أنها بدأت منذ عام 2021 في توجيه أسئلة للحكومة بشأن قطع أشجار العجوزة التاريخية التي زرعها الخديوي على الكورنيش، مؤكدة أن الحكومة لم تتوقف عن محاولة الاستيلاء على الحدائق وقطع الأشجار. مشيرة إلى أن الحكومة مستمرة في نهج تجريف المساحات الخضراء. وهذا تهاون واستهتار في تجريف مصر من أشجارها ومساحتها الخضراء التي تقلصت بشكل كبير، وأنه من غير المقبول تحويل الحدائق إلى مشاريع تجارية، وطالبت بوقف تسليم حديقة الزهرية للجهة السيادية، فضلاً عن إيقاف العبث بحديقة المسلة ووقف خطة تطوير حديقة الزهرية وأي حديقة أخرى. واعتبرت أن تطوير الحدائق يتطلب تجريف جزء منها أو قطع الأشجار، مما يعتبر تشويهًا للتراث والأثر، وهذا يخالف القانون رقم 119 لسنة 2008 واللائحة التنفيذية التي تحدد معايير التنسيق الحضاري للمباني والمناطق التراثية ذات القيمة المميزة.

الأهمية التاريخية لحديقة المسلة

تعد حديقة المسلة من الحدائق الأثرية الهامة في القاهرة، تتميز الحديقة بوجود العديد من القطع الأثرية النادرة، مثل تمثالين للملك رمسيس الثاني والإله حورس. سميت الحديقة بهذا الاسم نسبةً إلى مسلة الملك رمسيس الثاني التي كانت موجودة بها، قبل أن يتم نقلها إلى متحف العلمين الجديدة في مدينة العلمين في 7 أغسطس 2019 بقرار من وزارة الآثار، حيث أكد الدكتور خالد العناني، وزير الآثار، أن قرار النقل جاء نتيجة قلة الإقبال على زيارتها في حديقة الجزيرة، حيث كانت المسلة لا تجذب الزوار بشكل كافٍ. وتاريخيًا، كانت المسلة قد نقلت من منطقة تانيس في صان الحجر إلى حديقة المسلة في جزيرة الزمالك، بأمر من الرئيس عبد الناصر في عام 1962 لتكون من أبرز معالم الحديقة، وظلت هناك 59 عامًا. وقد حملت المسلة نقوشًا لألقاب وأعمال الملك رمسيس الثاني، منها عبارة مكتوبة باللغة المصرية القديمة: “وسر ماعت رع ستب ان رع نسوت بيتى رع مسو مرى امون”، وتعني “قوة عدالة رع المعطاة من الإله رع، ملك مصر العليا والسفلى، مولد رع محبوب آمون”. تقع الحديقة في منطقة الزمالك غرب القاهرة، على جزيرة الزمالك، وتغطي مساحة 12,600 متر مربع.

مشروع عين القاهرة

في يناير 2021، أٌعلن عن مشروع “عين القاهرة” الذي أثار الكثير من التساؤلات حول تأثيره على البيئة والحياة اليومية في منطقة الزمالك، والذي خٌطط له أن يقام على حديقة المسلة، يهدف المشروع إلى إنشاء أكبر عجلة دوارة سياحية في القاهرة، والأكبر في إفريقيا. أٌسند المشروع الى شركة هاواي للسياحة والاستثمار التي حصلت على حق انتفاع حديقة المسلة لمدة 25 عامًا مقابل قيمة إيجارية.

مشروع “عين القاهرة” سيكون مشروعًا سياحيًا ترفيهيًا. يهدف إلى بناء عجلة دوارة بارتفاع 120 مترًا في حديقة المسلة، والتي ستتيح للزوار مشاهدة معالم القاهرة من على مسافة 50 كيلومترًا. يستهدف المشروع جذب 2.5 مليون زائر سنويًا وتوفير حوالي 1200 فرصة عمل مباشرة، بالإضافة إلى 4000 فرصة غير مباشرة، مما سيعزز الاقتصاد المحلي ويوفر فرص عمل للشباب. حيث يتضمن المشروع العديد من الخدمات والمرافق مثل المتاجر العالمية والمطاعم الفاخرة، تبلغ استثمارات المشروع حوالي 500 مليون جنيه مصري. سيتم تمويل جزء من المشروع ذاتيًا، بينما سيتم تمويل الجزء الآخر من خلال القروض البنكية.

تعد حديقة المسلة من المساحات الخضراء القليلة في وسط القاهرة، وهي تلعب دورًا مهمًا في تحسين جودة الهواء وتخفيف درجات الحرارة. إزالة الأشجار والتوسع في الإنشاءات الخرسانية قد يؤديان إلى زيادة التلوث البيئي، حيث أن الأشجار تقلل من مستويات ثاني أكسيد الكربون. كما أن فقدانها قد يساهم في ظاهرة “الجزر الحرارية” التي تزيد من حرارة المدينة. تدهور التنوع البيولوجي أيضًا أحد التأثيرات السلبية، إذ توفر الحدائق موائل للطيور والحشرات المفيدة. كما أن التعدي على المساحات الخضراء يقلل من جودة الحياة الحضرية، مما يزيد من الضغوط البيئية والاجتماعية على سكان المدينة.

متعلقة