لا يمكن فهم علاقة النساء بالمدينة بوصفها إشكالية محليّة خاصة بمدينة معينة أو سياق اجتماعي وثقافي محدد، بقدر ما هي قضية عامة عابرة للثقافات واللغات، فمن القاهرة إلى بيروت ومن المدن السورية إلى مدن العالم، تتلاقى تجارب النساء في الفضاء العام عند نقاط متشابهة: مثل الأمان وحرية التنقل، والإقصاء من الفضاء العام، فالمراقب لمدننا اليوم يرى أنها تتصرّف كما لو أنّ النساء طارئات عليها، أشبه بضيفٍ مفاجئ يربكها حضوره، تغلق بابًا وتفتح آخر، تضع حاجزًا ثم تزيله، تفصل المقاعد ثمّ تخلطها، قوانين وتشريعات وحلول تتطاير من هنا إلى هناك، في ارتباكٍ رمزي للتعامل مع حضورٍ يُفترض أنه جزء طبيعي من نسيج المدينة الحضري. فهل معاناة النساء في المدن العربية تكمن في تصميم المدن نفسها؟ أم هي نتاج خطابٍ ثقافي واجتماعي يُعيد تشكيل المدينة على هذا الأساس؟
المدينة كعائقٍ يوميّ
إنّ تجارب النساء في معظم المدن العربية اليوم مليئة بالعقبات، فمن ناحية يحكمها الإحباط والإرهاق المتكرر الناتج عن محاولة التنقّل اليومي في بيئاتٍ حضرية ذات “بنية خشنة”: مثل وجود أرصفة مكسّرة، وطرقات مظلمة أو غير مضاءة بشكل كاف، ونقلٍ عام غير آمن، كما تتضاعف هذه العقبات في حالة اللواتي يحملن أطفالاً أو يدفعن عرباتٍ أو يرافقن الصغار، وإلى جانب هذه العوائق المادية، تواجه النساء أشكالًا مختلفة من الإقصاء من قبل المستخدمين الآخرين للفضاء العام. وتشير دراسة “النساء في لبنان: تجارب الخطر والأمان في المدن“ التي أجريت في مدن طرابلس والبقاع في لبنان إلى أن كثيرًا من النساء يصفن علاقتهن بالشوارع والفضاء العام من منطلق الخوف لا الراحة، معبرات عن شعورهن بالانسحاب من الشارع، ليس فقط بسبب التحرّش أو العنف، بل أيضًا بسبب احتلال الأرصفة من قبل المقاهي غير المرخّصة، وتجمّعات الشباب.
ومن لبنان إلى القاهرة، نجد الأمر نفسه، فسهولة الحركة في المدينة ليست ثابتة أو واحدة، بل تتغير تبعًا للمكان والعلاقات الاجتماعية المحيطة به، بل تختلف داخل المدينة الواحدة باختلاف المناطق الحضرية من حيث المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وتتأثر طبيعة الحركة بعوامل مثل كون المرأة “ابنة المكان” أو غريبة عنه، وتوقيت تحرّكها، وطبيعة الفضاء الذي تعبره. كذلك فإن الشوارع الواقعة خارج نطاق الرقابة الاجتماعيّة قد تحمل في آنٍ واحد فوائد ومخاطر للنساء، فهي تتيح هامشًا أوسع للتفاعل الجندري والحريّة، لكنّها في الوقت نفسه ترفع احتمالات التعرّض للتحرّش. وبهذا المعنى، يتحوّل الشارع إلى فضاء مزدوج، يسمح بحدوث سلوكيات متناقضة في الوقت نفسه، ويكشف عن الطبيعة غير المحايدة للمدينة تجاه الأجساد النسائيّة.
ولا يقتصر الأمر على الشارع بوصفه فضاءً عامًا بل يمتد الى شبه العام والخاص أيضًا، ففي حالات مختلفة مُنعت نساء من الإقامة في فندق ما، ووضعنَ تحت مساءلة غير مبررة لمجرد كونهن بمفردهن. في أواخر يناير 2026 أعلنت الصحفية المصرية “آلاء سعد” عبر مواقع التواصل الاجتماعي أنها تعرضت للمنع من الإقامة في أحد فنادق مدينة بورسعيد رغم حجزها غرفة بشكل طبيعي، وذلك بحجة أن الفندق لا يسمح بإقامة امرأة بمفردها تحت بدعوى أن سياسة الفندق تمنع “السنجل الحريمي” من الإقامة في الفندق. وقد أثار ذلك نقاشًا عامًا حول التمييز ضد النساء في بعض الفنادق، وفتح جدلًا قانونيًا ومجتمعيًا حول حق المرأة في الإقامة بمفردها في الفنادق. وقد حررت الصحفية محضرًا بالواقعة ولا تزال الواقعة منظورة أمام القضاء.
والمنطق نفسه يظهر في صعوبة استئجار النساء لسكنٍ مستقل في بعض المدن، حيث يُواجَهن بأسئلةٍ تتعلق بالحالة الاجتماعية أو “الضامن”، أو سبب العيش بمفردهن، أو يُرفض طلبهن ضمنيًا بذريعة العادات أو “سمعة البناية”. ومن اللافت أنّ معظم هذه العقبات ليست قانونية بطبيعتها، فهي حقوق يضمنها القانون ولو على الورق، أما في الواقع فالمجتمع والممارسات الثقافية هي التي تحكم، وتُعدّ من العوامل الرئيسية التي تقيّد حركة النساء في الشوارع.
علامات استفهام
قد ترجع جذور الاضطهاد المكاني للنساء، إلى أن الجغرافيين الرجال ربطوا المجال بأنفسهم، ففسروا المجال الحضري كعلاقة بين البيئة والمجتمع دون تحليل هذا “المجتمع” الى عناصره، لذا تركز اهتمام الباحثات النسويّات – على ما وصفته ماكدويل بال “التقسيم على أساس جندري للفضاء العام”- في محاولة الكشف عن الطابع الذكوري الضمني في كثير من الدراسات الحضرية، والعمل على تصحيحه وإعادة قراءة المدينة من منظور أكثر حساسية للنوع الاجتماعي.
وعلى مستوى المجتمع والحياة اليومية، حين نحاول اليوم تحليل الطابع المركّب للأمكنة الخاصة بالنساء في مجتمعاتنا، وما يتداخل في تشكيلها من عناصر اقتصادية أو سياسية أو دينية، فإن أول ما نصطدم به هو سيلٌ من التبريرات تحت عناوين الحماية، والدين والموروث الاجتماعي. فنحن قبل أن نسأل كيف نجعل الشوارع أقل خطرًا؟ نسأل لماذا كانت المرأة في هذا المكان وهذه الساعة وماذا كانت ترتدي؟ وبدل أن نسأل كيف نجعل الفضاءات العامة أكثر صداقة للنساء؟ نسأل كيف نحدد النطاق المسموح للنساء في المدينة؟
ومع ما يشهده عالم اليوم بصورة عامة والمدن العربية بصورة خاصة من تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية المتسارعة، وتفاقم الفقر بفعل النظام النيوليبرالي، وتراجع مصادر الدخل التقليدية، اضطلعت كثير من النساء بأدوار اقتصادية أكبر، سواء بدافع الاختيار أو بفعل الضرورة. وقد أسهم ذلك في زيادة حضورهن في سوق العمل، ومن ثم في الفضاء العام، على نحوٍ أكثر وضوحًا مما كان عليه في فترات سابقة. وعلى الرغم من ذلك يبقى السؤال هو لماذا تستمر المدن العربية في تجاهل هذه المتغيرات؟
يوتوبيا المدن الإسلامية
هل حقًا خصص الإسلام -الديانة الأكثر حضورًا في الوطن العربي- المكان على أساس الجندر حقاً؟ تشير الدراسات في هذا الصدد إلى أن تخصيص الإسلام للمكان بحسب الجندر، يرجع إلى القيمة التي يعطيها الإسلام للمرأة والرغبة في الحفاظ على هيبتها ومكانتها، كما يلعب الإسلام دورًا هامًا في السياق الذي تفاوض فيه النساء بشأن ممارسات الحياة اليومية، كتخصيص أماكن معينة لممارسة الأنشطة البدنية على أساس الجندر. وانطلاقًا من هذا التصور تم اعتبار هذا النوع من “الفصل” هو أحد خصائص ما عُرف ب “المدن الإسلامية” كما نظّر لها مؤسسي فقه العمران، الذين افترضوا وجود نمط إسلامي مميز لتخطيط المدن وبنائها، يُمكن استنباطه من تحليل النصوص الشرعية. ولم يلق هذا الطرح اجماع بين الفقهاء والباحثين المعاصرين.
في المقابل توضّح الباحثة جانيت أبو لغد في نقدها الجذري لمفهوم “المدن الإسلامية”، أنّه قد صيغ مما اتفق المستشرقون على اعتباره الخصائص المميزة للمدينة الإسلامية، في إسناد متواتر لمصادر أكاديمية غربية، تعتمد في درجته الأولى على دراسات المستشرقين الفرنسيين في المغرب العربي، بينما يعتمد في درجته الثانية على حلب ودمشق.
ومن ثم فإن المدينة باعتبارها كائنة اجتماعية حية تتنفّس بالناس الذين يسكنونها، هي نتاجٌ لتقاطع عوامل سياسية وثقافية واقتصادية في ظرفٍ مكانيٍّ وتاريخيٍّ محدّد، لا يمكن اختزالها في هوية دينية واحدة سواء إسلامية أو يهودية أو مسيحية ولو كان جميع سكانها من هذا الدين أو ذاك. ولو افترضنا جدلاً أن بعض العناصر العمرانية مثل الطرقات المتعرّجة، والمشربيات، والفصل العثماني بين “الحرملك” و”السلملك”؛ فالحرملك للنساء والأسرة، والسلملك للرجال والزوار، كانت استجابةً لاحتياجات النساء، كما يجادل محمد عبد الستار في كتابه “المدينة الإسلامية“، إذن فأين هذه “الاستجابة” عن مدن المسلمين اليوم؟ وأيُّ نحوٍ عمرانيٍّ هذا الذي جعلهن فاعل محذوف تقديره كائنٌ أو ربما موجودٌ!!
في نحوِ المدينة
أوضح الباحثان موداريتي وشريعتي في دراستهما لمدينةٍ إيرانية أن “الفصل الجندريّ” موجود وقد فُرض أيديولوجيًا عبر الخطاب اليومي والثقافة لتكريس الثنائية بين “الرجال/العام” و”النساء/الخاص”، وبما أن اللغة ليست بريئة والخطاب لا يصف الواقع فقط، بل يُنتجه ويعيد إنتاج علاقات السلطة ضمنه، فإن الخطاب اليومي والنظام اللغوي العربي _أو غيره_ يعكسان ويعيدان تراتبية السلطة في المجتمع، مما يُرسّخ بنيةً مكانيةً تجعل المجال العام حكرًا رمزيًا على الرجال وتقصي النساء منه.
فكما أن الأصلُ هو التذكير، والتأنيث فرعٌ عليه، كذلك صُمم الفضاء العام على افتراض أن الرجل هو القاطن الطبيعي فيه، وكما تقول فاطمة المرنيسي: “حين نكتب امرأة في اللغة العربية، فإننا لا نكتب إنسانًا، بل نكتب علامة لغويّة مضافة إلى الأصل المذكر”، وهذا ينعكس بشكل واضح في المدينة حيث لا تُذكر المرأة إلا حين يراد تخصيصها، فلا يوجد أماكن مخصصة لكل نوع، بل يوجد “مدينة الرجل” التي قد تحتوي أو لا تحتوي أماكن مخصصة للنساء، مع أن كلمة “مدينة” للمفارقة مؤنثة، ومؤنثة بالأصل لا التبعية، فهي ليست مؤنثًا من “مدين” بل مؤنثة مجازاً لأنها موضع احتواء وسكن، أي باتباع قاعدة تأنيث الأشياء لأن العرب شبَّهتها بالنساء في صفاتٍ كالحمل والإيواء والاحتواء.
ومع ذلك فالمشكلة ليست في قواعد اللغة بقدر ماهي في تأثير اللغة من خلال الخطاب التبريري اليومي الذي يرفض أصلاً حقّ النساء _وغيرهنّ من الفئات المهمشة في الفضاء العام_ ناهيك عن البحث في سبل ضمان هذا الحق، فحتى الخطابات التي تزعم الدفاع عن حقوق النساء، تفعل ذلك بلغة وصاية “نحن نحمي نساءنا” ويستند هذا الخطاب بشكل أساسي على الموروث الديني والشعبيّ في عباراتٍ مثل “المرأة مكانها هنا أو هناك”، أو “الفتاة المحترمة تخرج من الساعة كذا الى الساعة كذا او لا تخرج أصلا”، فإذا كنّا نعتقد في الوعي الجمعي أن مكان المرأة الأنسب في منزلها، فكيف نتوقع أي جهود لتهيئة مكان آخر خارج هذا الفضاء الخاص والطبيعي لتكون به؟
حريّة ما بين قوسين
على الرغم من أهمية وعالمية هذه الظاهرة، إلا أن معظم “الحلول” المطروحة أقرب للحلول الترضويّة من حلول جذرية لأساس المشكلة، وهي في غالبها قائمةً على السوق: استجابةٌ رأسمالية أقصى ما قدمته هو التخصيص فأبقت الذكورة فاعلًا مرفوعًا ووضعت المرأة بين قوسين، فكما أضافوا تاءً مربوطة الى السيد/ة أضافوا حلولًا ترضويّة إلى المدينة مثل بابٍ جانبي، نادٍ خاص “للسيدات فقط”، ومقهى “مخصّص لهنّ”، وصالة رياضة “آمنة ومغلقة”. وغير ذلك الكثير من المساحات مسبقة الدفع التي تُباع فيها الحرية بالمتر المربّع. إن هذه الفضاءات رغم أنّها تُقدَّم كمساحات آمنة، إلا أنها تعيد إنتاج الفصل الجندري نفسه الذي يُفترض بها تجاوزه، وتُؤسس لفكرة أن وجود النساء في المجال العام يتطلب تبريرًا خاصًا وتنظيمًا استثنائيًا. وأحياناً كثيرة تتحول مراعاة حقوق النساء إلى قيمةٍ استهلاكية تُلصق بالمشاريع التنمويّة أو التخطيطية لدعم تسويقها، بدل أن تكون تحولًا فعليًا في فهم المدينة نفسها.
ومن هذا المنطلق طورت الباحثة نورهان بسام إطارًا منهجيًا لتحليل وتقييم التحولات الحضرية من خلال منظور حسّاس للنوع الاجتماعي (جندرة التحوّل الحضري)، تُساءل من خلاله كيفية إعادة إنتاج علاقات القوة الجندرية أو تفكيكها داخل الأنظمة الحضرية، والبيئات المبنية، وآليات صنع السياسات. غير أن هذه الجهود البحثية والتحليلية على أهميتها، ستبقى قاصرة ما لم يصاحبها تغيير حقيقي على مستوى السياسات والسلطات المختلفة التي تتحكم في توجيه الإنتاج الثقافي وتشكيل الوعي العام، بدءً من المناهج التعليمية والتخصصات الجامعيّة و توجهات التمويل البحثي، وصولًا إلى الخطاب الإعلامي وتأثيره في تشكيل التصورات الاجتماعية، إذ غالبًا ما يُختزل هذا الملف في كونه شأناً يخص ” الهيئات النسويّة” أو “شؤون المرأة” والعمل المدني، بينما هو في جوهره مسألة تتعلّق بكيفية تشكيل المدينة نفسها، وتوزيع الحق العام بين مواطنيها.
استعادة تاء المدينة
إن المدن بطبيعتها ليست قمعيّة أو تحرّرية للنساء، لكنها تحمل دائماً ضغوطًا وإمكاناتٍ متغيّرة للتجسيد الجندري، حيث يمكن تفكيكها وإعادة تشكيلها وصياغتها من جديد. والتأكيد على دور السياسات والسلطات لا يعني أن الأفراد مجرد فاعلين سلبيين في انتظار هذا التغيير، فالتغيير يبدأ أيضاً من مستوى الممارسة اليومية للأفراد أنفسهم.
إذ وبالرغم من كل ما سبق، ما زالت النساء يسعين إلى استعادة أماكنهنّ في “مدينة الرجل”، يتحرّكن من الهامش نحو المتن، ويفرضن حضورهنّ في الفضاء العام، مكانيًا وافتراضيًا، وفي الفضاء السياسيّ والحقوقيّ والأدبيّ، في الساحات والشوارع والقطاعات المختلفة. يكتبن المدينة من جديد، ويمشينها كما لو أن لهنّ الحقّ الكامل في الوجود هناك، فالمشي في المدينة، كما يقول دو سرتو، “نوعٌ من الفعل اللغويّ”. خطوةً بعد خطوة، ينسجن جملاً جديدة، ويُعدنَ كتابة النصّ الحضريّ بتصريفٍ مختلف، ليحررن تاء المدينة المربوطة، فتُصبح مؤنّثةً بالانتماء، لا بالإعراب، وتغدو مدنهنّ وأخيرا تشبههنّ.
حنان الأحمد، معمارية وكاتبة سورية تقيم في ألمانيا، مع خبرة عملية طويلة في مجال التنمية الدولية وإدارة مشاريع إعادة التأهيل والتعافي الحضري. يتركز عملها البحثي والكتابي على العلاقة بين الفضاء والسلطة والذاكرة، وعلى أسئلة العدالة المكانية وتمثيلات الجندر في المدينة. نشرت مقالات ودراسات في عدد من المنصات العربية والأجنبية، من بينها: العمارة الإنسانية المُسيَّسة في مخيم الهول، إعادة الإعمار باسم الشعب والسياحة، فضاء وانتفاضة، الاستثناء داخل الاستثناء، هذه ليست مدرسة، وغيرها.