تناولنا في هذه السلسلة من المقالات أربع مراحل رئيسية لفهم وتحليل نظام الإيجارات القديمة في مصر، بدءًا من الواقع المعاش، مرورًا بالتاريخ التشريعي، وصولًا إلى تقييم آثار النظام على الأطراف المعنية، وانتهاءً بتقديم حلول وتوصيات عملية. في المقال الأول بعنوان “الوضع الراهن لنظام الإيجار القديم في مصر”, استعرضنا ملامح الأزمة الحالية، موضحين حجم الوحدات الخاضعة للنظام، والتفاوت الكبير بين القيمة الإيجارية وسعر السوق، وأثر ذلك على كل من المالك والمستأجر، بالإضافة إلى دور هذا النظام في استمرار الاستقرار السكني لفئات عديدة من المجتمع، رغم حالة الجمود والقصور التشريعي. وفي المقال الثاني، “نظام الإيجارات القديمة في مصر: تاريخ من التدخلات التشريعية والتحولات الاجتماعية”, ألقينا الضوء على السياق التاريخي والتشريعي للنظام، بدءًا من قوانين الإيجار الاستثنائية في منتصف القرن العشرين، وكيف ساهمت هذه القوانين في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطن في ملف السكن، وتطور النظرة إلى حق الملكية في مواجهة الحق في السكن، وانعكاسات ذلك على المشهد الاجتماعي والسياسي في مصر. أما المقال الثالث، “تحليل نظام الإيجار القديم وتأثيره على المالك والمستأجر”, فقدم قراءة تحليلية معمقة للعلاقة المتشابكة بين الطرفين، موضحين كيف تضرر المالك من ثبات الإيجار وقيود التصرف في الملكية، وفي المقابل كيف ساهم هذا النظام في تمكين شريحة كبيرة من محدودي الدخل من السكن في مناطق مركزية. كما ناقشنا تدخل أطراف ثالثة، مثل المستثمرين وهيئات الدولة، وتأثير ذلك على مستقبل العلاقة الإيجارية.
وأخيرًا، يأتي هذا المقال الرابع كمحاولة لاقتراح حلول عادلة ومتوازنة، تضع مصلحة كل من المالك والمستأجر في الحسبان، وتراعي السياق الاقتصادي والاجتماعي والسكاني في مصر، بما يحقق العدالة ويمنع التمييز، ويواكب في الوقت ذاته المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وبالأخص الحق في السكن اللائق. وفقًا لتحليل قضية الإيجارات القديمة في مصر، وتقاطعها مع عدد من الحقوق الأساسية للإنسان، أهمها الحق في السكن الملائم، وضمان عدم التعرض للإخلاء القسري، فإن هذه الورقة تقدم عدد من التوصيات إلى الحكومة المصرية، والبرلمان كسلطة تشريعية منوط بها وضع تشريع لإنهاء القضية. على الرغم من أن التحرك الحكومي لحل قضية الإيجار القديم جاء متأخرًا، مما أدى إلى تعقيدات بين طرفي العقد، إلا أن نية الحكومة والسلطة التشريعية لحل القضية تمثل فرصة مهمة. هذه الفرصة تفتح المجال لصياغة تشريعات عادلة تضمن حقوق الملاك والمستأجرين وتحقق توازنًا بين حق الملكية والاستقرار السكني، شريطة أن يتم مراعاة كافة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يضمن تحقيق العدالة في الحلول المقدمة للطرفين.
في هذا السياق، هناك دافع قوي لدى العديد من أصحاب المصلحة، سواء من الملاك أو المستأجرين، للتوصل إلى صيغة عقد تلبي احتياجات الطرفين. كما أن المجتمع المدني له دور مهم في تقديم توصيات وحلول بديلة تسهم في تطوير سياسات إسكانية تستهدف شرائح المجتمع المختلفة. هذه الحلول يجب أن تحقق العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد السكنية وتساهم في تحسين سوق العقارات، خصوصًا في ضوء التحديات الاقتصادية التي تواجهها العديد من الأسر المصرية، ومع استغلال بعض السوق للأزمات مثل قضايا المهاجرين وغيرها.
أولًا: على مستوى قطاع الإسكان
-
فرض رقابة فعّالة على سوق العقارات من خلال تبنّي سياسات ضريبية تحد من المضاربة العقارية، وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع الإسكان الاجتماعي والميسور، إلى جانب تنظيم العلاقات الإيجارية لضمان التوازن بين القيم الإيجارية وعدم تركها لحرية السوق.
-
عودة الدولة إلى إنتاج الإسكان الاجتماعي والمتوسط، وتجاوز السياسات الراهنة التي تركز على التربح من مشاريع الإسكان، بما يضمن دورًا فاعلًا للدولة في تلبية الاحتياجات السكنية للفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط.
-
ضبط العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في مجال الإسكان، من خلال وضع سياسات تشجع مطوري القطاع الخاص بتخصيص نسبة من مشاريعهم لتوفير وحدات ميسورة التكلفة، بما يُعزز العدالة في توزيع الموارد العمرانية.
-
توفير آليات دعم مباشر للأسر محدودة الدخل، مثل القروض الميسّرة، وبرامج التأجير التمليكي، لتيسير الحصول على سكن لائق ومستدام.
ثانيًا: على مستوى التشريع
-
مراجعة التشريعات المتعلقة بالتنمية العمرانية لضمان اتساقها مع مبادئ العدالة الاجتماعية والحق في السكن، وتفادي استخدامها كأداة للتمييز أو الإقصاء.
-
وضع تعريف قانوني دقيق لعمليات الإخلاء القسري يتماشى مع المعايير الدولية، وتحديد الحالات التي يُمنع فيها الإخلاء تمامًا، بالإضافة إلى ضمان توفير بدائل سكنية مناسبة، وتعويضات عادلة للمتضررين.
-
وضع آليات رقابة وضمانات قانونية تقي السكان من التعرض لعمليات الإخلاء أو النقل دون موافقة حقيقية ومسبقة، بما في ذلك تفعيل دور الجهات الرقابية والقضائية.
-
إشراك أصحاب المصلحة، وخاصة المجتمعات المتضررة، في صياغة واتخاذ القرارات التشريعية المرتبطة بالإسكان والتنمية العمرانية، لضمان أن تكون هذه القوانين مستجيبة لاحتياجات السكان وتضمن استدامتها وتطبيقها العادل.
ثالثًا: على مستوى العلاقة بين المالك والمستأجر
-
تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر بما يضمن العدالة للطرفين، وذلك من خلال اعتماد زيادات إيجارية سنوية تصاعدية، إما وفقًا لمعدلات التضخم، أو كنسبة من الدخل الشهري للمستأجر، بما يراعي القدرة الاقتصادية الحقيقية للسكان.
-
إلغاء بنود امتداد عقد الإيجار بالوراثة، إلا إذا كان من الورثة الزوجة، والتي يحق لها استكمال العقد لفترة انتقالية محددة، مع الحفاظ على حق المستأجر الأصلي في استكمال العلاقة الإيجارية، دون أن يمتد ذلك تلقائيًا إلى أفراد أسرته، بما يفتح المجال لإعادة التوازن في سوق الإيجارات القديمة.
-
حصر الوحدات الشاغرة الخاضعة لنظام الإيجار القديم، مع منح مهلة زمنية محددة لتحرير العلاقة بين الملاك والمستأجرين في تلك الحالات، بما يسمح بإعادة إدماجها في السوق وفق آليات عادلة.
-
فرض قيود قانونية على تحرير العلاقة الإيجارية في العقارات المشغولة، بما يمنع عمليات الطرد أو الإخلاء القسري، ويشترط توفير بدائل سكنية ملائمة قبل إنهاء العلاقة التعاقدية، أو في حال الاتفاق الطوعي على إنهاء العلاقة الإيجارية، بما يضمن انتقالًا عادلًا دون المساس بالحق في السكن.
-
تحمّل الدولة لمسؤوليتها الاجتماعية تجاه الملاك والمستأجرين المتضررين، من خلال إنشاء صندوق لدعم القيمة الإيجارية خلال فترة انتقالية محددة، أو منح إعفاءات ضريبية لتخفيف الأعباء المالية عنهم، يُموَّل من الدولة، والإعفاءات الضريبية للملاك، ومن عوائد التصالح في مخالفات البناء.
-
ضمان حماية المباني التاريخية والمميزة معماريًا من الهدم أو الإخلاء، مع صيانة الدولة لها باعتبارها تراثًا عامًا، وليس عبئًا على المالك أو المستأجر فقط.
-
وضع قيود على بيع أو نقل ملكية العقارات الخاضعة للإيجار القديم خلال فترة الانتقال، لمنع المضاربة والاستحواذ من قبل شركات الاستثمار العقاري أو الهيئات الحكومية.