كشف الهيئة الطبقي: كيف يُصنّف قانون الإيجار القديم المصريين قبل طردهم؟

مرر مجلس النواب المصري قانون الإيجار في 2 يوليو 2025، القانون الذي يُحدد مصير 1.6 مليون أسرة مصرية منتفعة بنظام الإيجار القديم. هذا القانون الذي أصرت الحكومة المصرية على وضع مادة به تنص على تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر بعد 7 سنوات من إقراره، دون توفير بدائل مناسبة تضمن الحق في السكن الملائم، وتضمن عدم التعرض للإخلاء القسري.

يحلل الباحث إبراهيم عز الدين، في دراسته التي تطرح العديد من المخاوف تجاه إعادة تشكيل الملكيات والحيازات في الواقع العمراني المصري من خلال عمل أجهزة الدولة المختلفة، خاصة عمليات الاستحواذ على المناطق ذات القيمة الاستثمارية، وعمليات الإخلاء القسري، يقول:

“يبرز هنا دور ”هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة“، التي تمتلك سلطة نزع ملكية الأراضي والعقارات لصالح مشروعات التنمية، مثل سيطرتها مؤخرًا على مساحات في جزيرة الوراق. وبهذا، لا ينحصر تأثير تعديل القانون على العلاقة بين المالك والمستأجر فقط، بل يتجاوزها ليعيد رسم خرائط ملكية واستخدام الأراضي في المناطق التاريخية داخل المدن المصرية.”

طرح الباحثان، يحيى شوكت ونادين عبد الرازق في يونيو 2025، مقترح يتفادى خطورة إخلاء وحدات الإيجار القديم، ونتمنى أن يُؤخذ اقتراحاتهم بجدية لأنه يحتوي على تفنيد لمواد القانون، وما يجب مراعاته وتعديله في بنوده لتجنب الاخلاءات للوحدات الإيجارية. هذا بالجانب إلى مجهودات الأحزاب المصرية لمناقشة مشروع القانون والتقدم برفضهم لمشروع القانون، خاصة بعد احتجاز أيمن عصام ، المحامي والمستشار القانوني لرابطة مستأجري الايجار القديم لمدة أسبوعين تقريبا.

ملايين المصريين يجب عليهم توفيق أوضاعهم بالتراضي مع المالك خلال سبعة سنوات، أو سيتعرضون للطرد عُنوة من وحداتهم. تتسم السياسات العمرانية في مصر بعمليات الإخلاء القسري، والتي تتجلى فيها السياسات الأمنية للأجهزة التنفيذية في مصر ومحيطها الجغرافي. طُرد واُخلي 2.85 شخص من سكان القاهرة الكبرى في السنوات الماضية، تحت مسمى “القضاء على العشوائيات” وهي أدوات لضبط الشعب، ويتم ضم (2 مليون شخص بواقع شخصين لكل أسرة الى 6.4 مليون شخص بمتوسط 4 أفراد لكل أسرة) من خلال قانون الايجار القديم.

التصنيف الطبقي لمنتفعي الإيجار القديم

نتطرق في هذا المقال إلى المادة الثالثة في مشروع قانون الإيجار القديم الذي ووفق عليه مؤخرا، هي مادة شائكة تنص على: ” تشكل بقرار من المحافظ المختص لجان حصر في نطاق كل محافظة تختص بتقسيم المناطق التي بها الأماكن المؤجرة لغرض السكنى الخاضعة لأحكام هذا القانون إلى مناطق متميزة، متوسطة، اقتصادية، على أن يُراعى في التقسيم المعايير والضوابط الآتية … وتنتهي هذه اللجان من أعمالها خلال ثلاثة شهور من تاريخ العمل بهذا القانون ويجوز بقرار من رئيس مجلس الوزراء من مدة الانتهاء من أعمالها لمدة واحدة مماثلة، ويصدر قرار من المحافظ المختص بما تنتهي إليه اللجان يتم نشره في الوقائع المصرية ويعلن بوحدات الإدارة المحلية في نطاق كل محافظة.”

يأتي عمل هذه اللجان لتحديد مستوى البناء والمباني والخدمات المتاحة للوحدة، ومن ثم تحديد القيمة الايجارية الجديدة، طبقا لتصنيف المحافظ المختص بعد عمل اللجان. إذن فإن دور لجان الحصر يأتي كأنه “كشف هيئة” حسبما يُطلق هذا المصطلح في مصر للتقدم للوظائف العسكرية، وهذا ما ستقوم به لجان الحصر لتحديد المستوى الطبقي والاقتصادي والاجتماعي لكل اسرة، وتجديد الأشخاص في السلم الاجتماعي الطبقي وتحديد ماهية استحقاقهم لأي خدمة.

وحدات الإيجار القديم هي وحدات في بنايات سكنية، على سبيل المثال إذا احتوت البناية على 10 وحدات سكنية، على أن بعض من هذه الوحدات تحت نظام الإيجار القديم، وبعضها يخضع لقانون الايجار الجديد، وبعض من الوحدات يملكها اشخاص اخرين. بناء عليه فإن عمل لجان الحصر يتطلب تقييم المبنى وسكانه، فقط في وحدات الإيجار القديم حتى يقررون “مستوي المنطقة وتحديد إذا ما كانت مميزة ام متوسطة او اقتصادية”. هذا العمل الذي يتطلب تقييم دقيق لسكان الوحدة السكنية لتقرير الشريحة الإيجارية الجديدة التي سوف يخضعون لها، وفقا لمستوي المعيشة والخدمات المحيطة في المنطقة.

هيكل لجان الحصر وآليات عملها

يأتي عمل هذه اللجان دائما من الرجال وهم موظفو الدولة، صغار السلم الوظيفي، ذوو “الكرش والبطيخة”. رجال يُوظَّف وجودهم الوظيفي في استخدام كل مظاهر السلطة الابوية في علاقاتهم بالشعب.دخول الوحدات السكنية عادة ما يتم فيه طلب بطاقة هوية ربة الاسرة، لأن اسم الزوج مدوّن علي بطاقتها، وينقل الموظف كافة بيانات بطاقة الهوية للمواطنة أمامه، والتي تتضمن اسم زوجها، ووضعها الاجتماعي وديانتها وإذا كانت أرملة أو مطلقة، ويُطلب منها أيضا المستندات التي تثبت ذلك لإثبات نسب الأبناء إذا كانوا يقطنون معها.

تتحول الديناميكية السلطوية فقط بين موظف الدولة الرجل والسيدة “ربة الأسرة” في منزلها، أما إذا تواجد زوجها ، فإنه غالبا مايشعر بالإهانة لأن بطاقة هويته ليست ذات أهمية كبيرة، وعليه تتحمل السيدات عبء الإثبات أمام هؤلاء الرجال من موظفي الدولة، الذين ينشغل بعضهم بتثبيت نظرهم على ثدييها خلال هذه المعاملة، كأنها السيدة جزءا من مستندات الحصر.

في هذه الدقائق المعدودة يجب على الموظف أن يُقيّم الأسرة، ووضعها في المستوى الطبقي الذي يراه مناسبا، سينظر سريعا للأدوات الكهربائية الواضحة (براد، تلفزيون وهكذا)، ماذا عن مستوى أثاث المنزل ومستوى تشطيب الوحدة الداخلي من ألوان للحوائط ومدى اتساخه أو متى جُدّد، وبالتأكيد سوف يفحص إن كانت سيدة المنزل ترتدي أي مشغولات ذهبية أم لا، ولا يستطيع الموظف تحديد ما إذا كانت اصلية ام قشرة، لذلك سيقرر تبعا لكمية اللون الذهبي الظاهر لعينيه إذا ما كان للأسرة مدخرات أم لا، مع ارتباط هذه المعاينة بشكل أساسي بفحص جسد السيدة التي أمامه. هذا بالإضافة عن مدارس الأبناء (عامة، خاصة، تجريبية)، لفهم المستوى الطبقي للأسرة.

تشكل هذه المادة مسبقًا بيئة خصبة للفساد الإداري، حيث أن عمل لجان الحصر يخضع لتقدير موظفي أحياء ومراكز المحافظات، وعليه يقررون من سينضم إلي الكشوفات والحصر ومن لا، هذه العملية التي قد تشوبها أيضا تلقي الرشاوي والمحسوبيات، وهو نفس ما حدث سابقا في عمليات إعادة التسكين لسكان مناطق بني الأهالي، التي اتسمت بالفساد، واقصاء المواطنين الذين لم يكن في استطاعتهم تقديم “آلاف الجنيهات” لهؤلاء الموظفين.

يتجلى الأمر بوضوح في عمل لجان الحصر، حيث يُمارَس وصم اجتماعي بحق السيدات المطلقات، أو الأرامل، أو كبيرات السن. كما يُقصى المساجين (رجالا وسيدات) سواء كانوا مساجين جنائيين أو سياسيين من هذه الكشوفات، كما يُوصم أهالي المعتقلين في لحظات معدودة عندما يطرق موظف الحي باب الوحدة وفي يده كل السلطة.

كل هذه الضغوط ستتعرض لها سيدات قاطني وحدات الايجار القديم، والكثير من الوصم حتى تنال حقها في تسجيل اسمها في كشف يكتب بخط اليد، ولا يعلم الأهالي ماهية الكشوفات النهائية، وفجأة يُطردون من الوحدات من خلال القوات التنفيذية من أقسام الشرطة وأمن الأحياء والمراكز والمحافظات، وبالطبع سيكونون فاقدين حقهم في التظلم بعد فقدهم بيوتهم، ويصبحوا معدومي السكن أو يضطرون للجوء للأقارب لهم حتى لا يفترشون الشوارع، الأمر الذي سينعكس بالطبع على فقدان أولادهم تسجيلاتهم بالمدارس.

تعديل قانون الإيجار القديم، الذي نص في مادته الثالثة على إسناد الحصر الى لجان من موظفي الدولة، دون وضع آليات رقابية فعالة تمنع الفساد، فإن عملية الحصر هذه  سوف يشملها الكثير من الفساد بتعاون من موظفي اللجان، والمحافظات، والأحياء والمراكز، ومُلاك العقارات، وهم المستفيدون الأساسيون من تعديل القانون، بعد المستثمرين الذين سيكونون “ملاك المستقبل”، حيث سيعي بعض الملاك إلى السيطرة على لجان الحصر لزيادة قيمة العقار أو الوحدة، وبالتالي سيتمكنون من تحديد إيجارات اعلى، او بيع الوحدة بسعر السوق للتمليك. المستفيدون في هذه الحالة سوف يكونوا بالترتيب المُلاك، والمستثمرين، اما موظفي الدولة الذين سيقومون بعملهم على مدار ثلاثة أشهر، فإنهم سيحاولون الحصول على أكبر قدر من المكاسب خلال مجمل أعمالهم في هذه الفترة. نحن أمام واحدة من أكبر عمليات الإحلال الطبقي العمراني “جنترة” لأحياء مصر ومراكزها، وهي عملية مقننة ومتقنة للتخلص من عموم الشعب.

إذن ما الحل لتجنب هذا الفساد الإداري المتوقع؟

بداية عند تطرقنا الى وضع حلول للمادة الثالثة فهذا لا يعني موافقتنا على تمرير المادة الثانية من مشروع القانون، التي تقضي بتحرير العلاقة بين المالك والمستأجر بعد 7 سنوات من إقرار القانون، دون وضع ضمانات كافية لضمان الحق في السكن الملائم للمتضررين، ولكننا أمام أمرا واقعا يقضي بضرورة معالجة آلية عمل اللجان التي شابها الفساد سابقا، والتي ستبدأ عملها قريبا مع سكان الإيجار القديم.

إشراك أصحاب المصلحة في هذه العملية هو أمر حتمي، ولا يجب إغفاله كما تفعل الحكومة المصرية دائما، وأصحاب المصلحة هنا هم من سيقع عليهم الضرر الأكبر “المستأجرون”، بالتالي فلا بد وان تتضمن كل لجنة عضوين على الأقل من رابطة المستأجرين، يراعي أن يكون أحدهما امرأة، وهي المجموعة الممثلة قانونيا لمنتفعي الإيجار القديم، وقد شاركوا في جلسات الاستماع في البرلمان المصري “وبالطبع لم يؤخذ برأيهم” لكن نتمنى أن يكون لهم دور في لجان الحصر. فمن ناحية، هم أصحاب مصلحة أساسية، ومن ناحية أخرى سيضمن وجودهم عدم التلاعب في الأوراق الرسمية، مثل ضغط الملاك على أعضاء اللجان لزيادة القيمة الإيجارية.

أما عن عوامل التقييم، فهنا لا يجب أن يكون التقييم الأكبر للمنطقة فحسب، كما نص عليها مشروع القانون، وتقسيم المناطق الى مميزة، ومتوسطة، واقتصادية، لكن لا بد أن يكون أحد العوامل الرئيسية في هذه العملية هو الدخل الشهري الثابت للمنتفع. فقد تذهب لجنة الحصر الى تقييم منطقة على أنها مميزة وفقا للموقع الجغرافي، لكن المنتفع بالوحدة لا يتجاوز دخله الثابت 2000 جنيه على سبيل المثال، فمن غير المعقول أن يدفع نصفهم ايجارا شهريا، والعكس صحيح قد تصنف منطقة ما على أنها اقتصادية، والدخل الثابت للمنتفع يتجاوز أضعاف القيمة المحددة. وهنا نود الإشارة الى البيان المشترك الذي صدر عن 6 منظمات مجتمع مدني مصرية، يطرحون فيه منهجية لرفع قيمة الإيجار وإقرار الزيادة السنوية بحساب قانوني ليس سوقيًّا. هذا من خلال تأسيس الحكومة لمؤشر رسمي لقيم الإيجار حسب تقديرات الضريبة العقارية، يُحدَّد على مستوى كل حي.

على ان يراعى ان كل حي قد يشمل ثلاثة مستويات من المناطق والتي حددها القانون ان تكون مميزة، ومتوسطة، واقتصادية.  إذن يلزم الأمر أن يكون أحد أعضاء اللجنة، من غير موظفي الحي، متخصص في علم الاجتماع أو من دارسي الخدمة الاجتماعية، وبناء عليه لا يُحدد المستوى الاجتماعي للأسرة “أو كشف الهيئة” وفقا لمظاهر أثاث المنزل أو المعادن الصفراء التي ترتديها ربة المنزل، أو مستوى المدارس التي يرتادها الأبناء.

لم يُشر مشروع القانون الى وجود آلية للتظلمات، وهذا يعني أن قرار لجنة الحصر ملزم ولا رجعة فيه، بالتالي سنتطرق هنا الى عاملين، أولا شفافية المعلومات وحرية تداولها، والتي تتسم مصر بانعدامها. إذن لا بد أن تكون نتائج تقييم لجان الحصر للمناطق معلنة بشكل رسمي، هذا فضلا عن إعلان آليات التقييم قبل البدء في العمل. ثانيا لا بد وأن يوضع آليات للتظلمات ضد قرار هذه اللجان، فنحن لا نؤسس إلى جهات محصنة وقراراتها مُلزمة لا تراعي حق اللجوء إلى القضاء.

 

أمنية خليل “باحثة عمرانية مصرية، تتركز أبحاثها حول دراسات الجغرافيا والأنثروبولوجيا، وهي أستاذة الأنثروبولوجيا في The City College of New York.”

إبراهيم عزالدين “باحث عمراني مصري وشريك مؤسس لديوان العمران للدراسات العمرانية”

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email

متعلقة