طوسون على خطى جزيرة الوراق.. سيناريو يتكرر

« البيت ده شقى عمرنا وتعب سنين، استلفنا علشان نبنيه وركبنا المرافق قرش فوق قرش، وفجأة بيقولوا هنهد من غير ما حتى يفكروا إحنا هنسكن فين »، بهذه الكلمات يروي رأفت محمد، أحد سكان منطقة طوسون بالإسكندرية، مشاعره لـ«ديوان العمران». مضيفا أن التعامل مع المنازل باعتبارها « أرقامًا في كشوف اللجان » يتجاهل أن وراء كل رقم حياة ممتدة وذاكرة جماعية، قائلاً: « متوسط سعر البيت هنا يوصل لـ4 ملايين جنيه، والتعويضات اللي هيعرضوها لا تقارن لا بقيمتها المادية ولا بالاستقرار اللي بنعيشه ».

طوسون على خطى جزيرة الوراق

منطقة طوسون، هي إحدى مناطق محافظة الإسكندرية، وتتبع حي ثان المنتزه شرق، الذي يبلغ تعداد السكان به نحو 575067 نسمه وفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء 2023، تقع منطقة طوسون تقريبا في وسط حي المنتزه ويسكنها نحو 5000 نسمة. 

تعتبر منطقة طوسون ذات أهمية اجتماعية، إذ أنها موطن لآلاف الأسر الذين استقروا بها منذ التسعينات، والتي اكتسبت اسمها نسبةً إلى الأمير عمر طوسون حفيد محمد علي باشا، وذات قيمة تاريخية حيث تضم أماكن أثرية مثل قصر الأمير عمر طوسون، الذي يعود تاريخه إلى عهد محمد علي باشا، وكان له طابع معماري فريد يعكس فترة حكم الأسرة، رغم أن القصر حاليًا يعاني من الإهمال ويستخدم كمخزن لأغراض تعليمية، كما تحتوي المنطقة على معالم أخرى مثل قلعة كوسا باشا وآثار تاريخية في محيطها. 

في حديثة الى «ديوان العمران»، حذّر الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، من أن تنفيذ المشروع في محيط خليج أبي قير قد يهدد تراثًا عالميًا يضم مدنًا غارقة وسفنًا تاريخية، وقال: « مصر ملتزمة باتفاقية اليونسكو 2001 الخاصة بحماية التراث الثقافي المغمور، أي إنشاءات دون دراسات أثرية معمقة تعني خسارة موارد لا تعوض ».

في ابريل 2025 أصدر محافظ الإسكندرية القرار رقم 88 بتشكيل لجنة برئاسة رئيس حي المنتزه ثان، تضم ممثلين عن جهات حكومية وعسكرية، مهمتها حصر التعارضات مع مسار مشروع « الطريق الدائري الجديد » الممتد بطول 23 كيلومترًا لربط محور المحمودية بمدينة أبو قير الجديدة، الذي تشرف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة على انشائه.

في يوليو، بدأت اللجان عملها على الأرض، مقسمة الحصر إلى ثلاث مراحل من مزلقان الشرطة العسكرية حتى كوبري 25، مرورًا بعزبة الكوبانية ثم الأكاديمية البحرية وأراضي القوات المسلحة وصولًا إلى الكتلة السكنية في مزلقان 25، ووفقًا لشهادات الأهالي شمل الحصر 223 بناية تضم نحو 5 الاف نسمة، إلى جانب 4 مساجد وكنيسة وجمعيات خدمية، « إحنا استقرينا هنا من التسعينات، فجأة بقوا بيعدونا كأننا مش موجودين »، يقول حسن خليفة أحد المتضررين لـ«ديوان العمران».

بهذه الخطوات غير القانونية والتعسفية، تنضم منطقة طوسون الى أخواتها من مناطق أخلي سكانها منها بالقوة دون ضمانات قانونية كافية أو تعويضات عادلة مثل ضاحية الجميل وقرية الفردوس غرب بورسعيد، وأخرى لا تزال تحت التفاوض لإخلاء سكانها منها مثل جزيرة الوراق، التي بدأت الحكومة المصرية في التضييق على سكانها منذ عام 2017 حتى اليوم.

السلطات التنفيذية تتحفظ على المعلومات

حاول «ديوان العمران» التواصل مع دعاء عبد الرازق، رئيسة حي المنتزه ثان، للحصول على توضيحات رسمية بشأن قرارات الحصر وخطط الإزالة، إلا أنها رفضت الإدلاء بأي تصريحات، وأحالتنا إلى محافظة الإسكندرية باعتبارها الجهة المختصة، وبالفعل استجاب المتحدث الرسمي لمحافظة الاسكندرية محمد فؤاد، في البداية وأبدى استعدادًا للتعليق، غير أنه سرعان ما توقف عن الرد على اتصالاتنا ورسائلنا حتى وقت نشر هذا التحقيق.

في المقابل، حاول «ديوان العمران» التواصل مع وزارة النقل للحصول علي معلومات رسمية بشأن مشروع « الطريق الدائري الجديد » في منطقة طوسون بالإسكندرية، ولكن قوبلت المحاولات بتحفّظ من جانب المتحدث باسم وزارة النقل، محمد عز، الذي أوضح أن الوزارة لا يمكنها تقديم أي تفاصيل حول المشروع، الذي يهدف إلى ربط محور المحمودية بمنطقة أبو قير الجديدة، إلا بعد اتباع الإجراءات الرسمية المعتمدة للتواصل مع الصحفيين، مضيفًا أن هذه الإجراءات صادرة عن مجلس الوزراء، والتي تشترط إرسال اعتماد رسمي من المؤسسة الصحفية قبل الرد على أي استفسارات، مؤكداً أن المعلومات لا تُمنح إلا عبر قنوات محددة وبشكل موثق.

القانون وحدود « المنفعة العامة »

قانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1990 والمعدل بالقانون رقم1 لسنة 2015 ينص على أنه لا يتم إلا بقرار جمهوري أو من رئيس الوزراء، ولضرورة قصوى تثبت المنفعة العامة. كما يلزم القانون ببدء إجراءات الحصر والتقدير عبر لجان متخصصة لتحديد حجم العقارات المتأثرة وقيمة التعويضات، على أن تُصرف خلال فترة محددة، ويؤكد أن الأولوية دائمًا للبحث عن بدائل لا تتطلب تهجير السكان.

في حديثه الى «ديوان العمران» أكد محمد رمضان محامي الأهالي أن المشروع المزمع إقامته كوبري لصالح منتجع سياحي، وليس لبناء مشروع قومي حيوي، وأن الحصر شمل 223 بيتًا بالضبط تمهيدًا لقرار نزع ملكية بزعم المنفعة العامة، وأن هناك بدائل أوفر اقتصاديًا ولن تستدعي هدم المنازل، بما يثبت أن عمليات الهدم ليست ضرورة قصوى ».

وأضاف: « إجلاء الأهالي قبل حكم قضائي نهائي انتهاك صارخ للمادة (63) من الدستور، تحظر التهجير القسري وتعتبر مخالفته جريمة لا تسقط بالتقادم، وكذلك المادة (35) التي تنص على أن الملكية الخاصة مصونة ولا تُنزع إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل، والقانون المدني في مادته (18) يمنعان أي طرف إداري من تعديل أو إنهاء العلاقة التعاقدية بشكل منفرد طالما أن هناك عقود بيع وانتفاع رسمية قائمة، وهو ما يملكه أهالي طوسون مع المحافظة، ما يجعل موقفهم القانوني ثابتًا.

وتابع رمضان لـ«ديوان العمران»: « الأهالي مش معترفين بفكرة التعويض أساسًا، لأن مفيش فلوس تعوض عن بيت قيمته 4 أو 5 ملايين وعن الاستقرار اللي عايشينه. من جانبهم، قدّم أهالي طوسون في سبتمبر 2025 تظلمًا رسميًا بسحب أو تعديل قرار الحصر، مشددين على أن الأمر لا يمس منازل فقط، بل مدارس ومستشفيات وجمعيات، ما يعني تفكيك نسيج اجتماعي عمره عقود. 

انتهاك القانون الدولي والحق في السكن الملائم

مصر هي إحدى الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والذي ينص في مادته الحادية عشر، على الحق في المسكن الملائم، والتعليق العام رقم 4 الذي يوضح شروط المسكن الملائم، وكذلك التعليق العام رقم 7 على المادة 11 من العهد، الذي ينص على حظر عمليات الإخلاء القسري، ويُعرَّفها على أنها « إزالة دائمة أو مؤقتة ضد إرادة الأفراد أو الأسر أو المجتمعات من مساكنهم أو الأراضي التي يشغلونها، دون احترام ضمانات قانونية ملائمة ».

التنازل عن الحق أو السجن بتهم سياسية

إزالة المنطقة مسألة وقت، المنطقة كلها هتتاخد وهتتزال » بهذه الكلمات القاسية، اختصر أحد الضباط مصير أهالي طوسون، وفق ما رواه عم صابر لـ«ديوان العمران» رجل ستيني يحكي عن مأساة منطقة طوسون التي تهدد بتحويل مئات المنازل إلى ركام ومسح تاريخ أجيال من الوجود.

صابر يروي لـ«ديوان العمران»، أن نزول لجان من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة مع مسؤولي المحليات لإجراء قياسات المنازل فجّر مشادات كلامية، « أول ما اعترضنا حذرونا من التجمهر وقالوا ممكن يتصنف نشاط سياسي »، معتبرًا ذلك مؤشرًا خطيرًا على بدء خطوات التنفيذ الفعلي.

بالفعل تحولت قضية طوسون سريعا الى قضية سياسية مع القبض على عبد الله محمد السيد، المتحدث باسم الأهالي، بعد لقائه بوزير النقل كامل الوزير بأيام. بحسب محمد رمضان، محامي الأهالي، فإن « القبض على عبد الله محاولة لتخويف الناس عشان يسكتوا »، حيث وُجهت لعبد الله اتهامات « بالانضمام لجماعة إرهابية وإذاعة أخبار كاذبة »، رغم أن فحص هاتفه لم يثبت أي دليل، ويضيف: « الناس في طوسون مرعوبة بعد اللي حصل، لكن في نفس الوقت رافضين يتنازلوا، بيوتهم خط أحمر مهما كانت الضغوط ».

تجارب سابقة وصمود متجدد

فتحي رزق، أحد المتضررين، يستعيد ذاكرة عام 2008 حين حاولت المحافظة نزع الأرض قائلاً: « اعتصمنا ستة أشهر وحصلنا على حكم قضائي ضد القرار، وبعدها عدنا فبنينا وركبنا المرافق وسددنا رسوم التصالح، وده معناه إننا نسكن في مناطق مش عشوائية ». ويضيف بحسم: « مشكلتنا مش في فلوس التعويض، المشكلة في ذكرياتنا وأمان ولادنا. بيوتنا خط أحمر، وأي حديث عن التعويض غير مقبول بالنسبة للأهالي، لأن القيمة الحقيقية مش في البيت ولا في ثمنه، لكن في الذكريات وأمان ولادنا ».

ويتابع: « عندنا جروب لأبناء المنطقة بيتواصل عليه مئات السكان، وبنحدد كل فترة موعد للاجتماع ومناقشة تطورات الوضع، ومعانا محامين حقوقيين جداد بينضموا باستمرار. في بدائل كتير متاحة، وإحنا مش محتاجين تطوير شرق الإسكندرية. في طرق بديلة وأراضي فاضية كتير ممكن يعملوا فيها المشروع. لكن بيوتنا خط أحمر ».

أحمد رفعت أحد الأهالي المتضررين يقول لـ«ديوان العمران»، « مش هنسيب أرضنا، ومستعدين نموت جوا بيوتنا، ده مستقبلنا ومستقبل عيالنا »، مؤكدًا أن هناك الكثير من البدائل « بدل أذي المواطن، مبقناش مرتاحين حتي وأحنا قاعدين في بيوتنا ».

رفعت شدد أن نزع الملكية للمنفعة العامة يجب أن يكون « للضرورة القصوى وعدم وجود بديل »، وهو ما يفتقده المشروع الحالي، الذي لا يُعد « مشروعًا قوميًا أو حيويًا يهدف لتخفيف الازدحام »، بل مجرد كوبري يخدم منطقة غنية، أي أن الكوبري ترف لا ضرورة له على الإطلاق.

ختاما؛

ما يجري في طوسون لا يمكن وصفه إلا بكونه إخلاءً قسريًا يخالف الدستور المصري والمواثيق الدولية، ويهدر حق السكان في مسكن آمن ومستقر. فغياب الشفافية حول موعد الإزالة أو إشراك الأهالي في تقرير مصيرهم، وتحويلهم إلى مجرد أرقام في كشوف لجان، يمثل انتهاكًا صريحًا للحقوق الدستورية والإنسانية على حد سواء. فالقانون يشترط الضرورة القصوى وتعويضًا عادلًا، بينما ما يحدث هو العكس تمامًا، حيث تشرع الحكومة في الحصر استعدادا للإخلاء، دون مبرر حقيقي ودون ضمانات قانونية أو إنسانية، ودون علم السكان بما يحدث.

إن ما يحدث هو تفكيك للنسيج الاجتماعي الذي تشكّل على مدى عقود، واستمرار للسياسات العامة للحكومة في فرض عمليات التنمية العمرانية بالقوة، وتهديد ذاكرة جمعية ارتبطت بالحي وبيوته وأماكنه. فكل منزل يحمل قصص حياة وتضحيات أجيال، لا يمكن أن تعوضها أموال أو بدائل عمرانية باردة. إن ما يتعرض له أهالي طوسون اليوم ليس مجرد نزاع إداري على ملكية أرض، بل هو مساس مباشر بحقوق أساسية في السكن والكرامة والانتماء، ما يجعل قضيتهم شاهدًا جديدًا على سياسة الإخلاء التي تُعيد إنتاج الألم والتهميش بدلًا من أن تصنع مستقبلًا عادلًا وشاملًا.

 

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Email

متعلقة