في مشهد صادم مع أولى ساعات صباح الثلاثاء 6 مايو 2025، فوجئ سكان قرية الفردوس غرب محافظة بورسعيد بحملة أمنية ضخمة، ضمت مدرعات وسيارات أمن مركزي تابعة لمديريات أمن بورسعيد والسويس والإسماعيلية، لحماية معدات هدم من لوادر وجرافات بدأت بهدم مبانٍ إدارية ومرافق بالقرية.
وسط استغاثات الأهالي، أعلن اللواء تامر السمري، مدير أمن بورسعيد وقائد الحملة، مهلة قدرها 72 ساعة لإخلاء المساكن، قبل بدء إزالة المباني السكنية. غير أن الحملة شرعت في صباح اليوم التالي، الأربعاء 7 مايو، في هدم عدد من مباني الملاك، بمن فيهم القاطنون بشكل دائم، دون انتظار انتهاء المهلة، بحسب شهادات السكان.
وفقا لموقع “متصدقش” فإن المحافظة لم تُصدر أي إخطارات سابقة بالإخلاء، ولم تُسلم إنذارات رسمية للسكان. كما قامت السلطات بقطع المياه والكهرباء عن القرية قبيل الحملة، ما أدى إلى تسلل لصوص فجرًا لسرقة متعلقات شاليهات مغلقة. وانتشرت صور وفيديوهات موثقة لوقائع السرقة والهدم، تحققت من صحتها مؤسسات صحفية مستقلة.
خلفية الأزمة والنزاع القضائي
تُعد قرية الفردوس من أوائل القرى السياحية التي أُنشئت ببورسعيد في يناير 1990، كمصيف للنقابات والشركات والبنوك والأفراد، على أرض خصصتها المحافظة بحق انتفاع غير محدد المدة، شريطة دفع مقابل لهذا الانتفاع. في عام 1994، أبرمت المحافظة عقود بيع ابتدائية دون تحديد مدة الانتفاع. ثم بحلول 1996، وُقعت عقود تمليك للمباني، مع استمرار انتفاع الملاك بالأرض.
لكن منذ التسعينات، اندلع خلاف بين المحافظة واتحاد الملاك بعد تأخر سداد أقساط الأرض، ما دفع المحافظ الأسبق مصطفى كامل لتشكيل لجنة لإعادة تقدير قيمة الأرض. وفي 2019، دفع اتحاد الملاك 35 مليون جنيه تحت الحساب، قبل أن تحكم محكمة القضاء الإداري في 2020 بأحقية المحافظة في 25.6 مليون جنيه فقط.
وفي 2023، قضت المحكمة الابتدائية ببورسعيد ببطلان قرار المحافظ بنقل تبعية القرية للمنطقة الحرة، واعتبرت العلاقة عقد إيجار بين طرفين، لا تخضع للقانون الإداري. لكن النزاع القضائي تجدد في مارس 2025، مع مطالبة المحافظة هيئة قناة السويس بتسليم الوحدات التابعة لها. وردًا على ذلك، أقام اتحاد الملاك دعوى جديدة برقم 503 لسنة 2025، تطالب بحق الشاغلين في البقاء بالقرية استنادًا للقانون المدني.
مخطط تطوير غرب بورسعيد والقرارات الرسمية
جاءت التطورات الأخيرة ضمن خطة الدولة للتنمية العمرانية، إذ صدر القرار الجمهوري رقم 550 لسنة 2019 بإعادة تخطيط منطقة غرب بورسعيد الممتدة حتى حدود دمياط، لتحويلها إلى مدينة عمرانية جديدة. وتم اعتماد المخطط الاستراتيجي العام لهذه المدينة بالقرار الوزاري رقم 797 لسنة 2023، ليغطي مساحة 3075.38 فدان. شملت هذه المساحة نقل 432 فدانًا كانت مخصصة لهيئة الثروة السمكية، لاستخدامها في إقامة المجتمع العمراني الجديد، الذي تضمن مناطق سكنية وصناعية وسياحية.
يذكر أنه في نفس السياق شهدت ضاحية الجميل غرب بورسعيد في أغسطس 2024 عمليات إخلاء قسري نفذتها قوات الأمن، وسط رفض الأهالي، الذين تعرضوا للتعامل العنيف والمفرط أثناء محاولتهم الدفاع عن منازلهم. تجاهلت الحكومة المقترحات التي قدمها السكان لتطوير منطقتهم، رغم وجود توجيهات رئاسية سابقة دعت للتشاور معهم وعرض بدائل، والتي بقيت حبيسة التصريحات الإعلامية.
أسس السكان جمعية أهلية لإدارة شؤون المنطقة وتنميتها بعد تراجع دور المحافظة، ودفعوا مقابل الانتفاع والضرائب بانتظام. لكن في 2020، توقفت المحافظة عن استلام المستحقات، تمهيدًا لفسخ التعاقد من طرف واحد. وفي 2022، بدأت إرسال الإنذارات الرسمية بالإخلاء، وشرعت مؤخرًا في تنفيذ قرارات الهدم باستخدام قوات الأمن، وسط تقارير عن استقدام عناصر بلطجية للاشتباك مع السكان وتهديدهم.
كما أعلنت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة عن فتح باب تلقي طلبات دراسة توفيق أوضاع الأراضي والكيانات القائمة داخل كردون المدينة الجديدة قبل صدور القرار الجمهوري 550 لسنة 2019، وحددت يوم 18 يناير 2025 كآخر موعد للتقنين، بهدف تحويل الأنشطة الزراعية إلى سكنية وفقًا للمخطط.
وعلى صعيد قرية الفردوس، تصاعدت الخلافات بعد أن أرسلت المحافظة إنذارات إلى نحو 1200 من قاطني الوحدات بضرورة إخلائها وتسليمها، بدعوى انتهاء مدة حق الانتفاع بنهاية 30 يونيو 2019. وكشف خطاب المحافظ الحالي، اللواء محب حبشي، إلى رئيس هيئة قناة السويس، عن مطالبته بإخلاء الوحدات المشغولة الخاصة بمصيف الهيئة بحلول 20 مارس 2025. وأكد المحافظ أن هذا الإجراء جاء تنفيذًا لتوجيهات رئيس الوزراء رقم 277 الصادرة في 6 يناير 2025، تمهيدًا لتنفيذ مخطط تطوير المنطقة.
يُذكر أن المحافظ السابق، اللواء عادل الغضبان، كان قد أصدر قرارًا في عام 2020 بتكليف الجهاز التنفيذي للمنطقة الحرة بإدارة قرية الفردوس بدلًا من مجلس أمنائها، وهو القرار الذي قوبل وقتها برفض من مجلس إدارة القرية وسكانها.
محاولات نيابية دون جدوى
حاول عدد من أعضاء مجلس النواب التدخل لوقف الإخلاء القسري، وطالبوا بمنح السكان تعويضات أو إيضاح السند القانوني للإخلاء المفاجئ. النائب أحمد فرغلي أكد أنهم طالبوا الحكومة بتوضيح موقفها القانوني أو إرجاء التنفيذ حتى انتهاء النزاع القضائي، دون استجابة. بينما كشف عضو بمجلس النواب في تصريحات صحفية، أن الحكومة تستند إلى انتهاء مدة حق الانتفاع، وهو ما يطعن عليه الملاك حاليًا أمام القضاء.
القيمة الاستثمارية للمنطقة
تزامنًا مع قرارات التطوير، شُيدت مشروعات استثمارية كبرى في المنطقة، أبرزها “بورتوسعيد” التابع لرجل الأعمال منصور عامر باستثمارات 3 مليارات جنيه على بُعد 12 كيلومتر من الفردوس، و”تاور باي” باستثمارات 5 مليارات جنيه على بعد 13.5 كيلومتر.