الموقع الجغرافي: وقعت عمليات الإخلاء في بلدة رفح المصرية، الواقعة على الحدود مباشرة بين مصر (شمال سيناء) وقطاع غزة. تم إنشاء منطقة عازلة امتدت بطول الحدود مع غزة، وامتدت حتى 5-7 كيلومترات داخل سيناء.
عدد السكان: كان عدد سكان بلدة رفح بالكامل حوالي 75 ألف نسمة. ووفقًا للبيانات الحكومية، فقدت نحو 3200 عائلة منازلها نتيجة لعمليات الإخلاء.
سبب الإخلاء وبدايته: أعلنت السلطات أن السبب الرئيسي للإخلاء هو إنشاء “منطقة عازلة” أو “منطقة آمنة” لمكافحة التمرد في شمال سيناء، وإغلاق أنفاق التهريب بين غزة وسيناء التي قالت الحكومة إنها تُستخدم لنقل المقاتلين والأسلحة.
بدأ الجيش المصري عمليات هدم المباني المحاذية للحدود في يوليو/تموز 2013، ثم تسارعت وتيرة الهدم بشكل ملحوظ بعد 24 أكتوبر/تشرين الأول 2014، عقب هجوم كبير على نقطة تفتيش للجيش في شمال سيناء. بعد خمسة أيام من هذا الهجوم، أصدر رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم محلب قرارًا بعزل وإخلاء منطقة تمتد على مساحة 79 كيلومترًا مربعًا بطول الحدود مع غزة.
أظهرت تحليلات صور الأقمار الصناعية أن حملة الهدم الحكومية بدأت فعليًا في فترة ما بين أواخر يوليو/تموز ونهاية أغسطس/آب 2013، وذلك عقب عزل الرئيس محمد مرسي.
عدة دوافع رئيسية لعمليات الإخلاء القسري في رفح المصرية، كما صرحت بها السلطات المصرية:
مكافحة التمرد وهزيمته في شمال سيناء: بررت السلطات المصرية المنطقة العازلة بأنها وسيلة للقضاء على التمرد المتزايد الخطورة في شمال سيناء، وقد تفاقم هذا التمرد بعد عزل الرئيس مرسي في يوليو/تموز 2013 والهجوم غير المسبوق على نقطة تفتيش للجيش في أكتوبر/تشرين الأول 2014
إغلاق أنفاق التهريب بين غزة وسيناء: ذكرت السلطات أن هذه الأنفاق تُستخدم لنقل المقاتلين والأسلحة من قطاع غزة إلى سيناء، مما يدعم الجماعات المسلحة، وقد تعاونت مصر في معظم فترة الحصار الإسرائيلي على غزة في فرض قيود مشددة على الحركة بين الجانبين، مما جعل الأنفاق خط إمداد أساسي ووصفت وزارة الدفاع المنطقة العازلة بأنها سبيل “للتخلص أخيراً من مشكلة الأنفاق”
إنشاء “منطقة عازلة” أو “منطقة آمنة” على الحدود مع غزة: بدأت فكرة إنشاء هذه المنطقة في يوليو/تموز 2013 وتم تسريع وتيرتها بعد هجوم أكتوبر/تشرين الأول 2014، وقد وافق مجلس الدفاع الوطني والمجلس الأعلى للقوات المسلحة على خطة لإنشاء هذه المنطقة بطول الحدود مع غزة.
حماية الأمن القومي المصري: صرح الرئيس السيسي بأن مصر تخوض حرباً “من أجل وجودها” وأن المنطقة العازلة ضرورية للأمن في سيناء ومصر، وقد وصف محافظ شمال سيناء القرار بأنه يهدف إلى “حماية مصر من الإرهاب”
تأكيد السيادة المصرية على سيناء ومنع شن هجمات على الجيران: قال السيسي إن الإجراءات الأمنية في سيناء تؤكد سيادة مصر على أراضيها، وأنه لن يسمح بشن هجمات من الأراضي المصرية على دول الجوار، بما في ذلك إسرائيل
تطهير المنطقة الحدودية للعمليات العسكرية: وصف مسؤولون مصريون المنطقة العازلة بأنها سبيل لتطهير المنطقة الحدودية من أجل العمليات العسكرية واستئصال خط الإمداد التابع للمتمردين، وذكر أحد المستشارين بكلية القادة والأركان العسكرية أن إخلاء المدنيين سيجعل المنطقة “مسرح عمليات مفتوح”
بالإضافة إلى هذه الدوافع المعلنة، يشير التقرير إلى أن فكرة المنطقة العازلة قديمة وتم تداولها لوقت طويل قبل تنفيذها، كما يذكر أن الحكومة أعلنت في عام 2012 أن الأراضي القريبة من غزة هي “منطقة استراتيجية ذات أهمية عسكرية”، مما يسهل مصادرة الممتلكات، وتجدر الإشارة إلى أن هناك تناقضات في تصريحات المسؤولين بشأن نطاق عمليات الإخلاء
انعكاس المنطقة العازلة على السكان
كان للمنطقة العازلة التي أقامتها السلطات المصرية على طول الحدود مع قطاع غزة تأثير كبير وشامل على سكان رفح، ويمكن تلخيص هذه الآثار بناءً على المصادر فيما يلي:
الإخلاء القسري وفقدان المنازل: تم إخلاء سكان بلدة رفح بأكملها تقريباً، والتي يسكنها 75 ألف نسمة وتقع على الحدود مباشرة. فقد فقد نحو 3200 عائلة منازلها بحسب الحكومة، وبدأت عمليات الهدم قبل قرار المنطقة العازلة الرسمي في أكتوبر/تشرين الأول 2014، وتسارعت وتيرتها بعدا، لم يتم تزويد السكان بإنذار مكتوب بقرب الإخلاء في أغلب الأحيان، وعلموا به من مصادر مختلفة، وفي بعض الحالات، أُمهل السكان 48 ساعة فقط لحزم أمتعتهم والرحيل.
تدمير الممتلكات: لم يقتصر التدمير على المنازل السكنية بل شمل أيضاً مساحات زراعية كبيرة حول البلدة، حيث تم تجريف ما لا يقل عن 150 هكتار من الأراضي الزراعية. كما دمر الجيش ما لا يقل عن 6 مدارس في المنطقة العازلة.
التعويضات غير الكافية والمشروطة: قدمت الحكومة تعويضات نقدية للسكان عن منازلهم، لكن معظم العائلات قالت إن التعويض غير كاف لشراء عقارات تضارع مستواهم المعيشي السابق، كما أن عملية التعويض اتسمت بالإعتام وتفتقر إلى أية آلية للاعتراض فعالة، أُجبر السكان على التوقيع على إقرار يزعم زوراً أنهم وهبوا ممتلكاتهم للدولة طواعية كشرط للحصول على التعويض، لم تقدم الحكومة أي تعويض عن الأرض الزراعية.
غياب الإسكان المؤقت الكافي: قدمت الحكومة مبلغاً ضئيلاً وغير كاف كتعويض عن الإيجار لمدة 3 أشهر، وقد قالت كل عائلة من العائلات التي أجرت معها هيومن رايتس ووتش المقابلات إن هذا المبلغ غير كاف إلى حد بعيد، ولم يحصل معظم السكان على أي إيواء مؤقت من الحكومة.
ظروف معيشية صعبة بعد الإخلاء: اضطر السكان إلى العيش في منازل أخلوها على عجل، وسط أحياء مهجورة في معظمها، أغلقت متاجرها أبوابها، وانقطعت عنها خدمات المياه والكهرباء الحكومية، كما أن حظر التجول المفروض في شمال سيناء زاد من صعوبة حياتهم اليومية.
فقدان مصادر الدخل: لم تقدم الحكومة للسكان النازحين أي تعويض عن فقدان مصادر دخلهم أو وظائفهم، فقد تأثرت الأنشطة التجارية والزراعية بشكل كبير.
انقطاع تعليم الأطفال: واجهت العائلات صعوبات في تحويل أطفالها إلى مدارس جديدة خارج المنطقة العازلة، وفوت معظم الأطفال فصلاً دراسياً، كما أن تدمير المدارس في المنطقة زاد من هذه المشكلة.
الآثار النفسية والاجتماعية: عانى السكان من الشعور بالحيرة والقلق والخوف والإهانة نتيجة لعمليات الإخلاء غير المنظمة وغير الشفافة، وقد عبر الكثيرون عن حزنهم العميق لفقدان منازلهم وذكرياتهم وارتباطهم بأرضهم.
غياب سبل الانتصاف والاعتراض: شعر السكان بعدم وجود سبيل للاعتراض على قرارات الإخلاء أو مبالغ التعويض بسبب مناخ الخوف والترهيب، كما أن الإجراءات القانونية للطعن كانت غير واضحة أو غير فعالة.
الترهيب والمعاملة المهينة: أفاد بعض السكان بأن الجيش استخدم الكلاب لترهيب أصحاب المنازل أثناء عمليات الإخلاء. كما وردت شهادات عن إطلاق النار على المباني، والمعاملة القاسية.
أدت المنطقة العازلة إلى تفكك مجتمع رفح وتهجيره بشكل قسري، وفقدانهم لمنازلهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم، مع تقديم تعويضات غير كافية وفي ظل ظروف معيشية صعبة للغاية وغياب للعدالة والمساءلة.