خديعة الوفرة.. سموم الصرف تُفرغ شباك النيل وتشرّد ثلثي صيّاديه
محتويات التقرير
تحقيق استقصائي يحلل بيانات عقدين: النيل يفقد 35% من إنتاجه.. والمزارع تقفز 312% على أنقاض الأنواع الأصيلة
منذ 40 عامًا في قرية “السعدية” التابعة لمركز أبو حماد بالشرقية، ترك صالح عيد منزله، وبنى الرجل الستيني كوخاً من البوص على ضفة “ترعة الإسماعيلية” ليكون قريباً من مصدر رزقه الوحيد لسنوات، نسج الجيران حوله أسطورة “زواجه من جنية الماء”، لدرجة أن الأطفال تختبئ عندما تراه، بسبب ملازمته لمركبه والصيد ليل نهار، لكن الحقيقة داخل كوخ صالح تخلو من أي سحر؛ فالرجل الذي يمارس الصيد منذ 40 عاماً يواجه اليوم شباكاً فارغة.

كوخ الصياد صالح عيد وقاربه الخشبي على ضفة ترعة الإسماعيلية بالشرقية
“ما أصطاده الآن لا يساوي عُشر ما كنت أصطاده سابقاً، وفي أنواع مبقتش بتظهر، وأغلب الصيادين تركوا المهنة”، يقول صالح لــ ديوان العمران وهو يتفحص خيوط شبكته التي لم تعد تأتي بصيد ثمين، لم تعد خبرته الطويلة، ولا محاولاته لإنقاذ الموقف عبر إلقاء “الزريعة” أو وضع إطارات سيارات قديمة في قاع المجرى لتجميع الأسماك، تجدي نفعاً، يصارع صالح يومياً لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته، وهو الذي يحمل عبء زواج من تبقى من أبنائه الخمسة، في وقت لم يعد فيه النهر يمنح ما يكفي لسدّ الرمق.

قارب صالح عيد مقلوباً أمام كوخه بعد تراجع حصيلة الصيد اليومي
مشهد انحسار الرزق في شباك الصياد صالح دفعنا إلى تقصي الأسباب الحقيقية وراء انحسار الثروة السمكية في نهر النيل، عبر رحلة استقصائية ارتكزت على بناء قاعدة بيانات حللتْ إنتاج مصر السمكي وتعداد الصيادين على مدار عقدين (2002-2022)، كشف التحقيق عن تراجع تعداد الصيادين بنسبة 63% (أي فقد النهر ثلثي صياديه تقريباً)، بالتوازي مع تراجع إنتاجية النيل بنسبة 35%، استند العمل إلى سجلات رسمية، وتقارير دولية (الفاو والأمم المتحدة)، وأبحاث علمية أثبتت تركز المعادن الثقيلة في أنسجة الأسماك بمعدلات خطورة تتجاوز الأمان الصحي، مما يفسر ‘الفيتو’ الأوروبي السابق، وميدانياً وثّق التحقيق مأساة الصيادين عبر معايشة حية، ليواجه المسؤولين بحقائق ‘الحماية المنقوصة’ لأهم شريان حياة في مصر.
ويظهر تحليل بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء خلال العقدين الماضيين، تراجعاً حاداً في إنتاجية نهر النيل بنسبة 35%، حيث انخفض من 120.9 ألف طن إلى 78.3 ألف طن، وهو اتجاه انخفاضي تزامن أيضاً مع تراجع المصايد البحرية (البحر الأحمر والمتوسط) بنسبة قاربت 26%.
في المقابل تحرك ثقل الإنتاج بوضوح نحو الحلول البديلة؛ إذ نمت إنتاجية البحيرات بنسبة 53%، وسجل قطاع الاستزراع السمكي زيادة بنسبة 312%، ليرتفع إنتاجه من 376 ألف طن إلى أكثر من 1.5 مليون طن.
وكشفت الأرقام الرسمية عن سيطرة المزارع السمكية على 77.8 % من الإنتاج السمكي في مصر البالغ نحو 1.9 مليون طن، بما قيمته 89.8 مليار جنيه.
تواصل «ديوان العمران» مع 10 من المسؤولين والخبراء لمناقشة فرضيات رئيسية تحت مجهر البحث لمعرفة سبب نقص الأسماك؛ منها فحص الأثر البيئي السلبي لمزارع الاستزراع السمكي المقامة بمحاذاة النهر، ثم تتبع العجز في نمو النباتات المغذية للأسماك الناتج عن رصف الترع والقنوات بالأسمنت، وصولاً إلى تحليل تداعيات بدء ملء سد النهضة الإثيوبي على المنظومة المائية ككل، وتلوث المياه بالمعادن الثقيلة وغزو كائنات وافدة مثل كركند المياه العذبة، مما أدى في النهاية إلى نقص مقلق في الأعداد وتساؤلات أكثر إلحاحاً حول جودة وصلاحية ما يتم اصطياده للاستهلاك الآدمي.
وبالأرقام، تتبعنا مسار هذا الغزو؛ فمنذ عام 2015 ظهرت “استاكوزا المياه العذبة” المعروفة بـ (الكركندة) بكثافة، وسجلت في بني سويف وحدها إنتاجاً قدره 2500 طن، لتمتد في العام التالي مباشرة إلى محافظتي الفيوم والمنيا، وظل زحف هذا الكائن الوافد مستمراً في المجاري المائية حتى قفز إنتاج مصر منه في عام 2022 إلى 9769 طناً، وهو ما يفسر تراجع السلالات المحلية لصالح هذا النوع الدخيل.
نيل يلفظ أنفاسه
خلف أرقام الإنتاج، تكمن كارثة تتمثل في أن مساهمة نهر النيل، التي كانت تمثل نحو 14% من الإنتاج مطلع الألفية، تراجعت الآن إلى أقل من 4% بسبب التلوث وتغيرات البيئة والصيد الجائر، كما أن البحيرات الشمالية تعاني من انخفاض كبير نتيجة تراكم الملوثات وتراجع التنوع البيولوجي، ما أدى إلى اختفاء تدريجي لأنواع كانت أساسية، مثل البساريا والبوري بحسب ما يقوله الأستاذ المساعد بقسم البيولوجيا والعلوم البيئية بكلية العلوم جامعة الأزهر، الدكتور محرم عادل لـ ديوان العمران. للاستماع إلى الحوار، اضغط هنا.
وأكد عادل، أن المصايد الطبيعية تعاني من عوامل معقدة، منها تأثير سد النهضة الإثيوبي حيث يؤدي الملء الأحادي إلى انخفاض حصة مصر المائية، مما يسبب ارتفاع ملوحة النهر وجفاف بعض المناطق، هذا بخلاف مشروع تبطين الترع بالأسمنت الذي له تأثيرات سلبية مدمرة؛ فالرصف الإسمنتي يدمر الموائل الطبيعية ومناطق التفريخ نتيجة اختفاء الحشائش والجذور التي تضع عليها الأسماك بيوضها، كما يمنع اختلاط المياه بالرواسب المغذية ويقضي على الكائنات الدقيقة «بكتيريا وطحالب» التي تحول المخلفات لمغذيات، مما يعطل السلسلة الغذائية بأكملها.
وهنا يشرح الدكتور ناصر سليمان، أخصائي الاستزراع المائي والمتخصص في الطحالب، الأبعاد الكيميائية لهذا التعطل؛ مؤكداً لـ ديوان العمران، أن الطحالب في المزارع والمسطحات المائية سلاح ذو حدين، حيث وجودها ضروري بنسب محددة لاستهلاك الأمونيا السامة التي تفرزها الأسماك، فإذا زادت الأمونيا عن (0.5 – 1 وحدة) نتيجة التلوث ونقص الأكسجين تصبح مميتة وتسبب أمراضاً مدمرة مثل “قمل البحر” الذي انتشر سابقاً في بحيرة قارون، لكن في حال خلل التوازن البيئي وتضخم نسب الطحالب يحدث ما يسمى “الازدهار الطحلبي” الذي يغلق سطح المياه تماماً، مما يمنع نفاذ الأكسجين ويؤدي في النهاية لنفوق جماعي للأسماك. للاستماع إلى الحوار، اضغط هنا.
ويضيف محرم، أن الأخطر هو عدم الفصل بين الصرف الزراعي والصناعي والصحي؛ حيث تحولت الترع لمزيج من السموم، وفي ظل غياب الرقابة تقوم مصانع غير مرخصة بفتح مواسير خلفية لصرف مخلفاتها الخطرة مباشرة في هذه المصارف، خاصة في مناطق «شطا والخياطة» بدمياط والمكس بالإسكندرية، مما حول المزارع لمخازن حيوية للملوثات.

صيادان يلقيان شباكهما في مياه ترعة الإسماعيلية بمحافظة الشرقية
حلول مستحيلة
ورداً على هذه التحديات وكيفية مواجهتها تقنياً، كشف ناصر لـ ديوان العمران عن مشروع بحثي مشترك (مصري إسباني جزائري) في محطة القناطر يعتمد على دمج الاستزراع السمكي بالنظم الزراعية المائية (الأكوابونيك) لتدوير المياه واستخدام الطحالب كعنصر توازن، إلا أنه قطع الطريق أمام إمكانية تعميم هذه التجربة في المجرى المفتوح لنهر النيل؛ واصفاً الأمر بـ “رابع المستحيلات” من الناحية العلمية؛ لأن النيل مسطح مائي جاري ومفتوح، والتحكم في نمو الطحالب أو قياس جودتها فيه ينطوي على نسبة خطأ كبيرة لأن المياه تتحرك باستمرار والأسماك تهاجر، مشدداً على أن “التحكم الكامل” في جودة المنتج وحمايته من التسمم لا يمكن أن يتحقق إلا في الأحواض المغلقة.
هذا “اللانظام” المفتوح الذي قصده ناصر، يواجه تحديًا آخر يتمثل في التلوث؛ فوفقًا لتقرير الحالة البيئية عام 2023، يبلغ عدد المصارف الزراعية الرئيسية التى تصب على نهر النيل نحو 102 مصرفاً من أسوان إلى القاهرة وفرعي النيل (دمياط ورشيد)، والتي تحتوي على مياه الصرف الزراعي المحملة بمتبقيات المبيدات والكيماويات، بالإضافة إلى الصرف المباشر العشوائي من القرى المحرومة من خدمة الصرف الصحي، وتبلغ كمية الصرف الزراعي التي تصرف مباشرة على نهر النيل 37,22 مليون م3 / يوم، وتمثل 72% من إجمالي كمية الصرف المباشر على نهر النيل، كما تأتي مياه الصرف الصناعي للمنشآت الصناعية في المرتبة الأخيرة من حيث كمية المخلفات السائلة حيث تبلغ 1% تقريباً من إجمالي الصرف المباشر على نهر النيل.
التدفق اليومي للملوثات لم يقف عند حدود المياه السطحية، ولكنه صنع واقعاً جيولوجياً مخيفاً وثقته دراسة علمية بمركز أبحاث المناخات الجافة والمياه بجامعة جنوب كاليفورنيا (USC Viterbi)، ونُشرت في 7 مارس 2023 بدورية مستقبل الأرض؛ حيث كشف التحليل المخبري لرواسب قاع النيل في الدلتا عن تلوث حاد بثمانية معادن ثقيلة أبرزها «الكادميوم والنيكل والرصاص والزنك»، ناتجة أساساً عن تصريف مياه الصرف غير المعالجة، وحذر الباحثون من أن غياب المعالجة المناسبة جعل هذه السموم تترسب بشكل دائم في القاع، على عكس الملوثات العضوية التي قد تتحلل، بل إن الأزمة تفاقمت بفعل “السدود الضخمة” في أعالي النيل، والتي عطلت التدفق الطبيعي للرواسب، وحرمت النهر من قدرته التاريخية على “غسل نفسه” وطرد الملوثات إلى البحر المتوسط، مما جعل السموم تتراكم في الدلتا كقنبلة موقوتة».
ويوضح أستاذ تغذية الأسماك بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، الدكتور أشرف جودة عبد السميع لـ ديوان العمران، أنه بعد السد العالي انخفضت خصوبة نهر النيل فهاجرت الأنواع الأصيلة كـ «اللبيس والكراكير»، وأصبحت السيادة للبلطي والقراميط، والأخطر هو دخول (الكراي فيش) الذي تسرب للنهر نتيجة تجارب غير مدروسة وتكاثر بسرعة كـ “بلطجي” يدمر البيئة ويأكل الزريعة ويحفر في الجسور، هذا النوع المقاوم للتلوث بات رمزاً للخراب البيئي، بينما تظل سلالاتنا المحلية مثل الجمبري القزاز ضعيفة وتحتاج برامج تربية قومية لإنقاذها.

حصيلة صيد هزيلة معروضة للبيع على قارعة الطريق قرب المجرى المائي
رافَقَ تقلّصَ الإنتاج السمكي للنيل نقصٌ ملحوظٌ في عدد الصيّادين المرخَّصين والمراكب المرخَّصة للصيد في المياه العذبة، فاستمر الانخفاض السريع في أعدادهم سنوياً منذ 2002 حتى الآن، من 8229 صياداً إلى 3069 لتبْلُغ نسبةُ التراجع 62.7%.
ووفقًا لحسابات ديوان العمران فقد تراجع عدد البرارة المرخصين للصيد في المياه العذبة من 3519 في عام 2002 إلى 2415 في عام 2022 بنسبة تراجع بلغت 31.37% و45% في جميع المصايد السمكية.
والمقصود بالبرارة الصيادون الذين يمارسون نشاطهم في المناطق الضحلة القريبة من الشواطئ (البر) أو في المناطق التي تنمو فيها البوص والحشائش المائية، ولا يحتاجون عادةً إلى مراكب ضخمة.
شباك خاوية
أوصلنا الصياد صالح عيد بالريس محمود أبو جاموس وهو شيخ للصيادين في منطقته يقول لـ ديوان العمران، إنّ مهنة الصيد لم تَعُدْ كما كانت في مصر، وأنّ “الصياد المحترف لا يصيد في نهر النيل إذا أراد أن يستر بيته، حاليًا صغار الصيادين يعملون على التوك توك أوفر من العمل كصياد خاصة مع قلة الرزق من الأسماك”.
فيما يروي محمد غريب، أحد الصيادين من أبناء المنطقة :”بقالنا فترة طويلة بننزل النيل ومفيش رزق، مفيش سمك زي زمان، الزريعة مبقتش بتترمي، وفي نفس الوقت بندفع تأمينات وضرائب ورسوم رخصة القارب، وكل ده حمل تقيل علينا وإحنا تقريبًا مش عايشين من الدخل ده.”
ويكشف محمد لـ ديوان العمران، عن التحولات الحادة في خريطة المهنة: الكثير من الصيادين المرخصين قلّ عددهم بشكل كبير، وكثيرون هاجروا أو غيروا نشاطهم، بعدما لم يعد العائد من الصيد في النيل أو البحر كافيًا لتأمين لقمة العيش، ويختتم قائلاً :”الصياد المحترف لم يعد يعتمد على النيل كمصدر رزق، المياه الراكدة مش صالحة للسمك، والأكسجين قليل، والنهارده حركة المياه أقل من زمان.”

صيادون يفرزون شباكهم الخاوية بجوار تراكمات المخلفات على ضفة الترعة
رسوم تراخيص الصياد
في المقابل، يؤكد الدكتور عبد الرحمن سعيد عبد اللطيف، رئيس معمل تكنولوجيا تصنيع الأسماك ورئيس شعبة المصايد السابق، أن منظومة الصيد في مصر تسير وفق أطر قانونية دقيقة تهدف للحفاظ على الثروة السمكية وتأمين الصيادين، مشيراً إلى أن القانون رقم 146 لسنة 2021 الخاص بـ “حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية” هو المرجعية الأساسية التي تنظم هذه المهنة.
وفي سياق رده على شكاوى الرسوم، أوضح عبد الرحمن لـ ديوان العمران، أن الدولة تفرض رسوماً “غير مكلفة” تيسيراً على الصيادين، حيث تبلغ رسوم رخصة الصيد للفرد نحو 150 جنيهاً سنوياً، بينما تتدرج رسوم المراكب لتصل في أقصاها إلى 5 آلاف جنيه حسب المواصفات، أضاف: “الدولة لا تسعى للتربح من الصياد البسيط، بل تهدف للتنظيم؛ لذا وفرت 44 مكتب مصايد لسرعة استخراج التصاريح، كما يراعي القانون الجانب الإنساني بإعفاء الصيادين من الرسوم في حالات المرض أو التوقف القسري عن العمل”.
وكشف عن توجه الدولة لتحديث المنظومة عبر إلزام المراكب بتركيب أجهزة تتبع (GPS) تمنحها الهيئة للصيادين “على سبيل الأمانة”، لضمان عدم خروج المراكب عن النطاق المسموح أو دخول ممرات خطرة، فضلاً عن التأكد من الالتزام بقواعد الملاحة الليلية، مع وضع قوانين صارمة للمخالفة”.
وحول دور الدولة في تعويض نقص الأسماك، أكد عبد الرحمن أن “جهاز حماية وتنمية البحيرات” مسؤول بشكل دوري عن “إلقاء الزريعة” في أماكن محددة بنهر النيل لضمان استدامة المخزون، وهي عملية تتم عبر كوادر الهيئة المتخصصة.
وفي نفس السياق، يؤكد عبدالعزيز سعد أحد الصيادين الذين اضطروا لتغيير نشاطهم، أن الظروف البيئية في النيل دفعته مؤخرًا للانتقال للصيد في البحر الأحمر بعد سنوات طويلة من ممارسة الصيد في النيل برفقة والده :”أنا وعيلتي كنا دايمًا نعيش على صيد النيل، كان رزقنا ثابت تقريبًا، وكلنا نعرف الزريعة وإزاي نرميها عشان تجدد المخزون، لكن دلوقتي، حتى لو رميت الزريعة، للأسف ما بتعيشش ولا تكمل دورة حياتها زي زمان، السبب مش بس توقف الزريعة، ده جزء بس من المشكلة الكبيرة.”
ويضيف عبدالعزيز لـ ديوان العمران “الأسباب أكبر وأعمق وتتمثل في التلوث من الصرف الصحي والصناعي والزراعي، الصيد الجائر بالطرق غير القانونية، التغيرات البيئية، التعديات على الترع والسدود اللي غيّرت تدفق المياه كلها مأثرة على دورة حياة السمك، يعني بصراحة، الزريعة مهمة جدًا، بس لو البيئة نفسها مش مناسبة، الزريعة اللي بتترمي مش هتعيش أو تكمل حياتها، والحل يكمن في إصلاح بيئي حقيقي، تنظيم ومراقبة، ودعم اقتصادي مع بعض”.

حرق مخلفات صلبة وتراكم القمامة مباشرة على حافة المجرى المائي
خلف صرخة شيخ الصيادين وصالح عيد، حول اختفاء أنواع بعينها من شباكه، كشف تحليلنا لبيانات الإنتاج بين عامي (2010 و2022) عن أنواع فقدها النهر نتيجة التلوث وتدمير الموائل الطبيعية.
تُعد “البساريا” الخاسر الأكبر بنسبة تراجع بلغت 75.5%؛ وهي سمكة تمثل قاعدة الهرم الغذائي ومؤشراً حيوياً على جودة المياه، مما يعكس حجم التدهور في بيئة النهر، كما سجلت أسماك “الحنشان” (الثعابين) تراجعاً حاداً بنسبة 63.7%، والعائلة البورية تراجعًا بنسبة 56.16% وهي أنواع تتأثر مباشرة بالملوثات القاعية والمعادن الثقيلة التي تترسب في طمي النيل.
خديعة الوفرة
أما الصدمة الكبرى فكانت في “البلطي النيلي الحر”؛ فبينما تتفاخر التقارير الرسمية بزيادة إنتاجه في المزارع، سجل إنتاجه الطبيعي في النيل تراجعاً بنسبة 17.2%، مما يعني أن “البلطي الأصلي” الذي يصطاده صالح يتلاشى لصالح “بلطي المزارع” الذي يعيش على مياه الصرف.
وفي الوقت الذي يتوقف فيه الرصد الإحصائي الرسمي للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عند بيانات عام 2022 (أحدث النشرات الصادرة)، كشف الدكتور أحمد سني الدين، مدير عام المزارع بجهاز تنمية البحيرات والثروة السمكية، لـ ديوان العمران عن كواليس المشهد خلال العامين اللاحقين (2023 و2024)؛ مؤكداً حدوث تراجع فعلي في إنتاج قطاع الاستزراع السمكي بنحو 80 ألف طن خلال تلك الفترة نتيجة أزمات الأعلاف، إلا أنه قدم رؤية مغايرة للأرقام الإجمالية، مشيراً إلى أن المصايد الطبيعية لعبت دور المُنقذ، حيث نجحت في تعويض هذا العجز، مما حافظ على استقرار إجمالي إنتاج مصر من الأسماك عند حاجز ‘المليوني طن’ سنوياً.
أوضح سني الدين لـ ديوان العمران، سبب التراجع لعاملين وهما التغيرات المناخية التي وصفها بـ “العدو الأول”، حيث يؤدي تجاوز حرارة المياه 35 درجة مئوية إلى “انهيار فسيولوجي” للأسماك وضعف مناعتها، وثانيهما الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الأعلاف التي حدّت من القدرة التشغيلية للمزارعين.
https://on.soundcloud.com/GEwXwNcLiQrswd6KGA
أكد أن مياه المزارع تمر بعملية “تطهير ذاتي”، وأن الخطر الحقيقي يكمن في تسرب المبيدات الزراعية للمصارف وليس الصرف الصناعي، كما حسم الجدل حول الملف التجاري، نافياً حظر أوروبا للأسماك المصرية بسبب التلوث، وأن العائق إجرائي يتعلق فقط بنظام “التتبع”، وبرر استيراد مصر لنحو 450 ألف طن سنوياً بالحاجة لتوفير أصناف “المياه الباردة” كالرنجة والماكريل التي لا تلائم البيئة المصرية، وليس لسد عجز محلي، لا سيما وأن “البلطي” وحده يستحوذ على 60% من هيكل الإنتاج الوطني.
الرؤية الرسمية والتحذيرات الدولية
على الجهة الأخرى، يوضح الرئيس التنفيذي لجهاز شؤون البيئة، الدكتور علي أبو سنة، لـ ديوان العمران، أنّ وزارة البيئة خصصت حزمة تمويلية بقيمة 271 مليون يورو ضمن المرحلة الرابعة من برنامج التحكم في التلوث الصناعي (EPAP)؛ لتقديم الدعم المالي والفني للمنشآت الصناعية وتوفيق أوضاعها البيئية عبر إنشاء وتطوير محطات معالجة داخلية لمياه الصرف تمنع إلقاء المخلفات السائلة في نهر النيل أو البحيرات، مع تحفيز إعادة استخدام المياه المعالجة داخل خطوط الإنتاج.
ونفى أبو سنة الاتهامات التي تتحدث عن نقل نهر النيل للملوثات إلى البحر المتوسط، مستنداً إلى ما أسماه نظرية “الصفر تلوث”؛ حيث يرى أنّ التحكم الهيدروليكي الصارم في مياه النهر عبر السد العالي والقناطر يمنع تشكّل تيارات قوية قادرة على جرف المخلفات نحو المصب، لتعمل تلك المنشآت المائية كحواجز هندسية تحتجز الرواسب والملوثات وتمنع وصولها إلى مياه البحر.
https://on.soundcloud.com/vtt2khUwJQuLtbItNK

معدّة التحقيق خلال مواجهة الدكتور علي أبو سنة الرئيس التنفيذي لجهاز شؤون البيئة
وفي سياق متصل، يرى وزير البيئة السابق والمدير التنفيذي لمركز البيئة والتنمية للمنطقة العربية وأوروبا (سيداري)، الدكتور خالد فهمي، أن الاعتماد المتزايد على المزارع السمكية يمثل “ترند عالمي” للأمن الغذائي وليس مجرد خيار محلي، مؤكداً لـ«ديوان العمران» أن تلوث النيل لم يعد بـ “حدة” الماضي بفضل مشروعات الصرف الصحي والمعالجة التي منعت التلوث من المصدر، مشبهًا حماية النيل بتجربة نهر “الراين” في أوروبا، واصفاً إياها بالعملية الديناميكية التي تتطلب رصداً مستمراً لمستويات الأكسجين، كاشفاً أن أغلب المنشآت الصناعية الكبرى دخلت بالفعل في خطط جادة لتوفيق أوضاعها البيئية، مما يجعل التحول نحو التقنيات الحديثة والأعلاف الصديقة للبيئة مساراً حتمياً لتأمين البروتين.
https://on.soundcloud.com/FRQjiuZ8gSMYKvvfPN
فنّد رئيس الدورة الـ23 لمؤتمر الأطراف لاتفاقية برشلونة (COP23) وممثل دولة سلوفينيا، ميتيا بريسيلي لـ ديوان العمران، الفرضيات الرسمية حول انعدام التلوث عند مصب النيل، واصفاً الحديث عن وصول نسب التلوث إلى الصفر بـ “غير المنطقي علمياً” في ظل الكثافة السكانية والأنشطة الصناعية والزراعية الممتدة من القاهرة حتى المصب.
وأكد بريسيلي أن الملوثات لا تختفي في المجاري المائية بل تتراكم في الأنظمة البيئية البحرية الضحلة، موضحًا أن قاعدة “التخفيف ليس حلاً” هي المبدأ المعمول به عالمياً؛ حيث إن خلط مياه الصرف الصحي والزراعي المحمل بالأسمدة مع الصرف الصناعي داخل القنوات لا يؤدي لتنقية المياه، بل ينتج “خليطاً ساماً” من المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية التي تتراكم حيوياً داخل أنسجة الأسماك.
وحذر من تكرار سيناريو نهر “بو” الإيطالي في الدلتا المصرية، مشيراً إلى أن النهر الإيطالي شهد انهياراً بيئياً كاملاً في البحر الأدرياتيكي نتيجة حمله لمزيج مماثل من الملوثات، مشددًا على أن إنشاء محطات “المعالجة الثلاثية” بات ضرورة فنية حتمية للتعامل مع تعقيدات التلوث ومنع نفاذ السموم إلى البيئة البحرية، مؤكداً أن التراكم الحيوي داخل الأسماك يتجاوز المؤشرات الرقمية المعلنة.

معدة التحقيق تحاور ميتيا بريسيلي رئيس الدورة الـ23 لمؤتمر أطراف اتفاقية برشلونة
سمك مسموم
تحذيرات بريسيلي لـ ديوان العمران، عن التراكم الحيوي تجسدت في أرقام دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية European Chemical Bulletinالعالمية، كشفت عن تجاوز أسماك البلطي النيلي في منطقة “مصرف الرهاوي” بفرع رشيد حدود الأمان الصحي، بعدما سجل معامل الخطورة في أنسجة الأسماك 1.58 درجة، متخطياً حاجز الأمان المقدر بـ (الواحد الصحيح).
وأثبتت الباحثة ياسمين محمد فرج، عبر مقارنة مخبرية بين منطقتي القناطر الخيرية والرهاوي، تركز معادن الحديد والرصاص والزنك بمستويات تفوق المسموح به دولياً في عضلات الأسماك، مما تسبب في خلل بوظائف دم الأسماك مثل ارتفاع السكر ونقص البروتين نتيجة زيادة الأمونيا ونقص الأكسجين الذائب، وهو ما أدى في النهاية لتلف خلايا الكبد والكلى؛ لتنتهي الدراسة بتوصية عاجلة بضرورة اعتماد المعالجة الثلاثية وتغيير مسار المصرف كلياً بعيداً عن مجرى النيل.
تحذيرات المعامل من التراكم الحيوي للسموم لم تبقَ حبيسة الدوريات العلمية، بل انتقلت أصداؤها سريعاً إلى ساحة البرلمان لتشهد مساراً رقابياً تصاعدياً؛ ففي يونيو 2025، كانت شرارة البداية حين تقدم عضو مجلس النواب، السيد شمس الدين، بطلب إحاطة حذر فيه من مخلفات الصرف الملقاة بالمجاري المائية، واصفاً إياها بـ«التهديد المباشر للأمن القومي» لارتباطها بتفشي أمراض الكبد والفشل الكلوي، ومطالباً بخطة وطنية تُلزم المصانع بالمعالجة الثلاثية وتفعّل الرقابة الصارمة لحماية الصحة العامة.
ومع تفاقم التدهور، انفجرت الأزمة بشكل أكثر حدة في الجلسة العامة للبرلمان في مايو 2026، لتكشف عن اتساع الفجوة بين التقارير الرقابية والوعود التنفيذية؛ إذ شهدت القاعة مواجهة ساخنة وصف خلالها رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، النائب محمد عبد العليم داوود، ما يجري في فرع رشيد عند «مصرف الرهاوي» بـ«الجريمة مكتملة الأركان»، مؤكداً أنّ النهر تحول إلى «مصرف كيميائي يهدد بتسميم الدلتا بالكامل»، ومطالباً بمحاكمة مسؤولي الحكومة «جنائياً» وليس سياسياً فقط، بسبب تعثر مشروعات الصرف الصحي في مراكز دسوق وفوه ومطوبس لسنوات.
في المقابل، فند وزير الإسكان السابق، الدكتور عاصم الجزار، هذه الاتهامات واصفاً إياها بـ«الكلام المرسل» الذي يفتقر للأدلة العلمية ويضر بسمعة الصادرات الزراعية المصرية، مستنداً إلى لغة الأرقام بنجاح الدولة في رفع نسبة تغطية الصرف الصحي في الريف من 11% عام 2014 لتتجاوز 64% بحلول عام 2026 وفق «أكواد عالمية» تضمن المعالجة الثلاثية وإعادة الاستخدام الآمن للمياه.
وانتهت الجلسة بقرار برلماني يعكس حساسية الملف؛ حيث وافق المجلس على طلب الحكومة بحذف عبارة «المطالبة بالمحاكمة الجنائية» من مضبطة الجلسة بعد أن اعتبرها وزير شؤون المجالس النيابية «إساءة»، في حين تمسك النواب المعارضون بأن الواقع البيئي المتأزم في مناطق المصب يتطلب إرادة سياسية توقف نزيف السموم قبل وصولها إلى صحون المصريين.
على الجانب الآخر، أجرى باحثو المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد دراسة بعنوان «تقييم المخاطر والآثار الخطرة للتلوث المعدني في سمكتي البلطي النيلي وبلطي الجليل من أربع جزر بنهر النيل»، تناولت تقييم جودة الأسماك ومخاطر استهلاكها صحيًا، ورصد مستويات التلوث المعدني في الأسماك المصطادة قرب شواطئ أربع جزر نيلية بالقاهرة الكبرى، خلال فترتين زمنيتين متعاقبتين، في محاولة لقياس أثر التغيرات البيئية وتراجع الموارد المائية على جودة الأسماك.
وكشفت النتائج عن وجود تراكم لمعادن مثل الحديد والزنك والنحاس والمنغنيز والرصاص في الأنسجة العضلية للأسماك، وهي عناصر ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض سرطانية وغير سرطانية عند التعرض المزمن لها بكميات تتجاوز الحدود الآمنة.
وبناءً عليه حذرت الدراسة من أن استهلاك أكثر من وجبتين أسبوعياً (بوزن يتجاوز 113 غراماً للوجبة) من سمك البلطي الجليلي الأبيض والبياض، خاصة المصطاد من محيط جزيرتي الوراق والمنيل، يرفع مؤشرات الخطر الصحي لا سيما لدى الأطفال؛ معتبرة هذه النتائج بمثابة إنذار صحي يستدعي إرساء نظام مراقبة دورية وصارمة لجودة الأسماك النيلية.
وأوقف الاتحاد الأوروبي استيراد الأسماك المصرية مؤقتًا في نوفمبر 2021 بسبب مخالفات في الشهادات الصحية ونتائج تفتيش أوروبي سلبية، مما أدى إلى تعليق التصدير لمدة ثلاث سنوات حتى استئنافه في 2024، عادت مصر إلى قائمة الدول المسموح لها بالتصدير بعد تلبية المتطلبات الأوروبية في نظام الرقابة، الحظر السابق يعود إلى عقود بسبب عدم الامتثال لمعايير مراقبة المخلفات (EU Directive 96/23/EC).
محاولة للحل
وعن البحث عن حلول، يشير رئيس وحدة البحار الإقليمية في برنامج الأمم المتحدة للبيئة ألبرتو باتشيكو كابيلا، إلى أن اتفاقية برشلونة تمتلك برنامجاً متخصصاً يُعرف بـ (MedPol) لتصنيف جودة المياه، مدعوماً ببروتوكول المصادر البرية للتلوث (LBS Protocol)، حيث ينجح البرنامج الأممي في تحويل كل دولار تضعه الدول في صندوق الاتفاقية إلى مشاريع دولية تتراوح قيمتها بين 5 إلى 9 دولارات، ورغم هذا العائد المغري، تظل (فجوة الملايين) هي العائق الوحيد أمام إنقاذ الثروة السمكية.
أكد كابيلا لـ«ديوان العمران»، أن القضاء على مياه الصرف غير المعالج يتطلب استثمارات فورية في البنية التحتية، وهو عبء مالي لا تستطيع ميزانيات الدول النامية تحمله منفردة، نحن ندعو بنوك التنمية الإقليمية والوطنية للتدخل العاجل لسد هذه الفجوة التمويلية، محذراً من أن تكلفة التقاعس اليوم ستكون باهظة جداً على الصحة العامة وعلى مستقبل الاقتصاد الأزرق الذي يطعم الملايين.

معدّة التحقيق خلال لقاء ألبرتو باتشيكو كابيلا رئيس وحدة البحار الإقليمية ببرنامج الأمم المتحدة للبيئة
وفي سياق البحث عن حلول دولية لأزمة تدهور المصايد، تضع تاتيانا هيما، المنسقة العامة لخطة عمل البحر المتوسط التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP/MAP)، يدها على التحديات الهيكلية والمادية التي تواجه مصر وتوضح أنها ملزمة ببناء محطات متطورة لمعالجة مياه الصرف الصحي في كافة المدن، وإنشاء مكبات نفايات مُدارة بشكل سليم، والتخلص من المواد الكيميائية المتقادمة، وضمان منع التلوث البلاستيكي. كل هذه المتطلبات تحتاج إلى مليارات الدولارات واستثمارات هائلة».
وعن دور الأمم المتحدة في سد هذه الفجوة، أشارت تاتيانا لـ«ديوان العمران»، أنها تسعى كأمانة عامة لإقامة شراكات استراتيجية مع جهات مانحة كبرى، مثل بنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، مع استكشاف فرص التعاون مع بنك التنمية العربي، لمساعدة الدول في تحويل خططها الوطنية إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ على أرض الواقع.

معدّة التحقيق تحاور تاتيانا هيما المنسقة العامة لخطة عمل البحر المتوسط (UNEP/MAP)
وفي نهاية يوم شاق، يعود صالح عيد خالي الوفاض إلى كوخه المصنوع من البوص، يراقب مياه “ترعة الإسماعيلية” التي لم تعد تمنحه سوى الخذلان، لم تكن جنيّة الماء التي نسج الأهالي حولها الأساطير هي من سرق الرزق من شباك صالح، بل كانت أطنان المعادن الثقيلة، ومخلفات المصانع، وزحف الإسمنت والسد الإثيوبي الذي خنق النهر.

كوخ صالح عيد وقاربه الوحيد على ضفة ترعة الإسماعيلية عند الغروب
إصدارات ذات صلة
الفوضى العقارية في مصر… من يحمي المشتري!
تصاعدت خلال السنوات الأخيرة حالة من الفوضى في السوق العقاري المصري في ظل العديد من المشكلات المرتبطة ببعض…
الإيجار القديم.. الدولة تنتظر والمستأجر يقاوم المجهول
بحلول 12 يوليو المقبل، ستكون المهلة الثالثة، وربما الأخيرة، للتسجيل على منصة السكن البديل لمستأجري الإيجار القديم قد…
المستعمرة من سكن العمال إلى حلم المستثمرين.. من يدفع الثمن!
بين أحلام عمال المحلة بحياة كريمة، وقرار رئيس الجمهورية بناء سكن لكل المصريين، واستثمارات رجال الأعمال، تتمحور حكاية…
