الفوضى العقارية في مصر… من يحمي المشتري!

تصاعدت خلال السنوات الأخيرة حالة من الفوضى في السوق العقاري المصري في ظل العديد من المشكلات المرتبطة ببعض الشركات من تأخر تسليم المشروعات، وارتفاع نسب التحميل، والتفاوت الكبير في أسعار الوحدات، وغياب الشفافية، والإعلانات المضللة، إلى جانب اتساع ظاهرة المضاربة، وتحول العقار لدى كثيرين إلى أداة لحفظ الثروة أكثر من كونه وسيلة للسكن، فيما عُرف بالفوضى العقارية؛ وهي حالة من عدم وجود نظام يضبط الشكل التسعيري للمشاريع، ويتابع الشكل القانوني للعقود، ويحفظ الحقوق للعملاء ويحميهم من عمليات النصب المنتشرة، ويضمن مستوى من الشفافية في البيع والشراء. وهو ما أدى إلى ما نراه حاليًا من شكاوى العملاء بداية من السعر الوهمي المبالغ فيه، مرورًا بمشكلة عدم تسلم الوحدة العقارية وصولًا لشكل الصيانة للوحدات بعد التسليم، غير المتطابق مع العقود، وعرض الأفراد لمخاطر واضحة في ظل ضعف الرقابة على التنفيذ والتسويق، وترك عملية التسعير والطرح والبيع لآليات غير منضبطة.

في ضوء ذلك، يهدف هذا التقرير إلى رصد أشكال الفوضى في السوق العقاري المصري، وأسبابها، وبيان تأثيرها على الفرد والمجتمع، مع طرح تساؤل رئيسي مؤداه: من يحمي المشتري في السوق العقاري المصري؟ وكيف يمكن بناء سوق أكثر استقرارًا وعدالة وشفافية؟

أولًا: شركات التطوير والتسويق العقاري.. أزمات متكررة!

تتجلى إحدى صور الفوضى العقارية في السوق المصري في تكرار الأزمات المرتبطة بطرح المشروعات العقارية قبل استقرار أوضاعها القانونية أو المالية بصورة كاملة، وهو ما يضع المشتري في مخاطر كبيرة قد تمتد لسنوات، تبدأ من تأخر التسليم، ولا تنتهي عند احتمالات النزاع على الأرض أو تغيير المخططات أو صعوبة استرداد الأموال. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يعاني منه حتى الآن عملاء بعض الشركات في مشروع بالساحل الشمالي؛ حيث تم الإعلان عن المخطط العام للمشروع، وجرى تحصيل الشيكات الأولية للحجز، إلى جانب إطلاق حملة تسويقية واسعة، وكل ذلك على الرغم وجود نزاع قانوني يتعلق بأرض المشروع، وتتمثل الأزمة في أن الأرض تضم مشترين سابقين من سنوات ماضية، يقيم بعضهم بالفعل في شاليهات حصلوا عليها من شركة أخرى، قبل أن يفاجئوا بإعادة طرح الأرض ضمن مشروع جديد.

لا تتوقف هذه المشكلات عند حالات فردية أو شركات بعينها، بل تعكس نمطًا متكررًا داخل السوق العقاري المصري، يتمثل في غياب الضمانات القانونية الكافية لحماية المشتري، وضعف الرقابة المسبقة على أوضاع الأراضي والتراخيص والملاءة المالية (Financial Solvency) للمطورين – قدرة الفرد أو الشركة على الوفاء بالتزاماتها المالية طويلة الأجل وسداد ديونها عند استحقاقها- قبل طرح المشروعات للبيع.

تتضاعف خطورة هذه الفوضى مع غياب آليات واضحة وفعالة تضمن الفصل بين أموال العملاء والمشروعات الأخرى الخاصة بالمطور، في ظل عدم تطبيق بعض الأنظمة الرقابية المهمة مثل “حسابات الضمان“، المرتبطة بتمويل المشروع ذاته، وهو النظام المعمول به في عدد من الأسواق العقارية المنظمة، ويهدف إلى منع استخدام أموال المشترين في تمويل مشروعات أخرى أو تغطية التزامات خارج نطاق المشروع المتعاقد عليه. كما يبرز ضعف التنظيم في غياب قاعدة بيانات عقارية موحدة ومحدثة تتيح للمواطن التحقق من الوضع القانوني للمشروع، وتاريخ المطور، والتراخيص، والقرارات الوزارية، ونسب التنفيذ الفعلية، الأمر الذي يفتح المجال أمام الإعلانات المضللة والمبالغة التسويقية، ويجعل كثيرًا من المشترين يعتمدون فقط على السمعة التجارية أو الحملات الإعلانية عند اتخاذ قرار الشراء. وفي هذا السياق، يجد المواطن نفسه طرفًا أضعف في علاقة تعاقدية غير متوازنة، يتحمل فيها الجزء الأكبر من المخاطر المالية والقانونية، بينما تظل أدوات الرقابة والتدخل الحكومي محدودة أو متأخرة بعد وقوع الأزمة بالفعل.

ثانيًا: فوضى التسعير العقاري

يشهد السوق العقاري المصري حالة من التفاوت الكبير في أسعار الوحدات، في ظل غياب آليات واضحة وعادلة للتقييم، الأمر الذي جعل عملية التسعير في كثير من الأحيان خاضعة لرؤية كل مطور أو مالك أو وسيط عقاري، أكثر من ارتباطها بالقيمة الفعلية للعقار أو القدرة الشرائية للمواطنين. كما تعتمد بعض الشركات في التسعير على “قيمة العلامة التجارية” أو اسم الشركة داخل السوق، وليس فقط على تكلفة الأرض أو البناء أو جودة المنتج العقاري المقدم، الأمر الذي أدى إلى وجود فجوات سعرية كبيرة بين مشروعات متقاربة في المستوى والخدمات. وتشير ميادة  (Real estate sales consultant) في حديثها لديوان العمران “إلى أن الفوضى تمتد إلى الوحدات المعاد بيعها Resale من أصحابها، حيث لا يوجد وعي كبير لدى العملاء في التفريق بين سوق الوحدات الـ Resale وسوق الـ Primary، والسمسار ضيع السوق، حيث يضع تسعير مختلف هو الآخر لبيع الوحدة العقارية”.

إن هذه الفوضى التسعيرية تعكس أيضًا اختلافًا جوهريًا في طريقة إدارة السوق العقاري نفسه. ففي العديد من الدول الأوروبية، لا تُترك عملية التسعير بالكامل للمضاربة أو لرؤية المطور العقاري، بل تخضع لمنظومة رقابية وضريبية تسعى إلى الحد من الارتفاعات غير المبررة، وربط السوق بالطلب الحقيقي والقدرة الشرائية للمواطنين، بما يقلل من تحول العقار إلى أداة للمضاربة وتخزين الثروة.

من ناحية أخرى، فقد ساهم ضعف النظام الضريبي العقاري في مصر بدوره في تغذية المضاربة وتخزين الثروة داخل العقارات، دون وجود تكلفة حقيقية على الاحتفاظ بالوحدات المغلقة أو إعادة بيعها بأسعار متصاعدة، وهو ما ساهم في تحويل العقار لدى قطاعات واسعة من المستثمرين إلى أداة للمضاربة وحفظ القيمة، بدلًا من كونه سلعة مرتبطة بالاحتياج السكني الفعلي.

ثالثًا: دور الدولة: تعميق الفوضى أم تنظيم السوق

في تصريح سابق لرئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي حول ظاهرة التسعير العشوائي يقول “لا توجد تسعيرة محددة للوحدات العقارية، وإنما تخضع لآليات العرض والطلب”، ويعكس هذا التصريح إدراكًا رسميًا لطبيعة الأزمة وحجم الاختلالات الموجودة داخل السوق العقاري، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن ترك واحدة من أكثر الأسواق تأثيرًا على حياة المواطنين لآليات غير منضبطة، دون وجود إطار تنظيمي واضح يحقق التوازن بين حرية الاستثمار وحماية المستهلك. ويتجاهل دور الدولة الذي يجب أن يكون قويًا في حماية الحق في السكن الملائم.

وأكثر من ذلك، فقد لعبت الدولة على مدار السنوات العشر الماضية دورًا في زيادة الأسعار داخل السوق العقاري، من خلال السياسات المرتبطة بطرح الأراضي وتكلفة التطوير أيضًا. فقد أشار طارق شكري،  رئيس غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية ووكيل لجنة الإسكان بمجلس النواب –في تصريح سابق له-، إلى وجود مبالغة واضحة في أسعار الأراضي المطروحة من الدولة للمطورين، موضحًا أن تكلفة الأرض تمثل عادة ما بين 25 و30% من سعر الوحدة العقارية، وتصل في بعض المناطق والمشروعات إلى نحو 50%، وهو ما ينعكس مباشرة على السعر النهائي للمستهلك، بينما من المفترض أن تقل النسبة عن 25%.

ومن ناحية أخرى، قامت الدولة بالدخول إلى السوق العقاري كمستثمر، حيث طرحت وحدات سكنية – تحت بند أصحاب الدخول المتوسطة أو الإسكان المتميز- تتجاوز قيمة الوحدة الواحدة مليونين وتصل إلى 2 مليون ونصف، كما في “سكن مصر، دار مصر، وجنة” ويصل ثمن الوحدة في بعض المناطق -كالعاصمة الإدارية الجديدة إلى ثمانية ملايين جنيها، كما في مشروع “كابيتال ريزيدانس“، وتتزايد فوضى السعر مع المشترين أنفسهم حين يقومون بإعادة بيع لهذه الوحدات، حيث يطالب بعضهم بمبالغ (Over Price) تتراوح من 500 ألف إلى مليون جنيهًا ويزيد المطلوب عن ذلك في بعض المناطق.

وفي ظل كل ذلك تترك الدولة عملية التسعير بشكل كبير لآليات السوق والمضاربة، في ظل أدوات رقابية هشة، وعدم متابعة الملاءة المالية للمطورين، أو ضمان حقوق المشترين، مماساهم في خلق بيئة تسمح بارتفاع الأسعار بصورة غير منضبطة، وتحمل المواطن الجزء الأكبر من المخاطر.

رابعًا: ما الذي يجب فعله لتنظيم السوق العقاري

إن هذه الفوضى العقارية لها آثار متعددة على الفرد والمجتمع؛ فهي تُحول السوق تدريجيًا إلى مساحة مفتوحة للمضاربة والعرض والطلب، بحيث أصبح كل مطور أو مالك أو وسيط عقاري يضع السعر الذي يراه مناسبًا دون وجود معايير رقابية عادلة تحدد القيمة الحقيقية للعقار. وهو ما ساهم في ارتفاع تكلفة السكن بصورة متسارعة تجاوزت قدرة شرائح واسعة من المجتمع. وقد انعكست هذه الفوضى على المجتمع بصورة أوسع، من خلال زيادة الضغوط الاقتصادية على الأسر، إلى جانب اتساع الفجوة بين الفئات القادرة على الاستثمار العقاري والفئات غير القادرة على تأمين احتياجاتها السكنية الأساسية. كما ساهمت الارتفاعات المستمرة في أسعار البيع والإيجار في تراجع معدلات التملك، وزيادة الاعتماد على الإيجار غير المستقر، وارتفاع معدلات الانتقال إلى مناطق أقل جودة أو أبعد عن فرص العمل والخدمات. وفي المقابل، ارتفعت أعداد الوحدات المغلقة وغير المستغلة نتيجة توجيه العقار نحو المضاربة وحفظ القيمة بدلًا من تلبية الطلب السكني الفعلي.

وفي ضوء ما سبق يبقى هناك دور كبير للدولة يجب أن تتبناه وتقوم به من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، وتنظيم السوق العقاري من الفوضى التي تكتنفه، وضمان الحق في السكن الملائم للمواطنين. ولعل أهم هذه الأمور إصلاح نظام الضرائب العقارية؛ فالمشكلة الأساسية في السوق المصري لا تتمثل فقط في نقص المعروض، بل أيضًا في تحويل العقار إلى وسيلة لتخزين الثروة وتحقيق الأرباح السريعة، دون وجود تكلفة حقيقية على الاحتفاظ بالوحدات المغلقة أو إعادة بيعها بأسعار متصاعدة؛ حيث تشير الإحصاءات إلى وجود المعروض، مع أكثر من 12 مليون وحدة مبنية شاغرة في أنحاء البلاد. ومن ثم فإن إصلاح نظام الضرائب العقارية في مصر -كما هو معمول به في عدد من الدول الأخرى- يمكن أن يؤدي إلى مكاسب عدة منها؛ العقارات: زيادة الحصيلة الضريبية، وتحقيق العدالة الضريبية وتعزيز الحق في السكن، والحد من نشاط المضاربات في سوق العقارات، وإعادة توجيه الاستثمارات في أنشطة إنتاجية متنوعة أكثر إنتاجية وتشغيلًا من العقارات.

من ناحية أخرى، يمكن إنشاء هيئة لتنظيم السوق العقاري، تتولى مراجعة أوضاع المشروعات قبل طرحها للبيع، والتأكد من سلامة التراخيص والموقف القانوني للأرض، ومتابعة الملاءة المالية للمطورين، إلى جانب مراقبة الإعلانات العقارية ومنع الممارسات المضللة، ووضع معايير واضحة للتقييم والتسعير العقاري تحد من الفجوات السعرية والمضاربات غير المبررة. إلى جانب تطبيق نظام “حساب الضمان”: وهو أن يضع العميل ثمن الوحدة في هذا الحساب، والمطور يقوم باستخدامها في المشروع الحالي، ولا يستخدمها في أي مشروع غيره أو أمور خارجية أخرى.

متعلقة

[sibwp_form id=2]