على امتداد خمسين كيلومترًا من الساحل الشمالي الغربي لمصر، تقع منطقة رأس الحكمة بمحافظة مطروح في قلب أحد أضخم مشروعات إعادة تشكيل العمران في تاريخ البلاد الحديث، وهو مشروع تنموي عملاق تُقدَّر استثماراته بعشرات المليارات من الدولارات ويُسوَّق رسميًا بوصفه بوابة مصر الجديدة على البحر المتوسط. فمنذ عام 2015، بدأ الحديث عن تطوير المنطقة مصحوبًا بوعود رسمية متكررة بعدم تهجير السكان، قبل أن تصطدم هذه الوعود بواقع مختلف تمثل في صرف تعويضات محدودة ثم تصاعد الإجراءات وصولًا إلى الإخلاء القسري لبعض المنازل في مارس 2025، وسط وجود أمني ومواجهات مع الأهالي، في وقت تؤكد فيه الحكومة التزامها بتعويض “المتواجدين على أرض المشروع”. ويتتبع هذا التحقيق مسار مشروع رأس الحكمة، من إدراجه على خرائط التخطيط الاستراتيجي وتوقيع اتفاقيات التطوير والشراكات الاستثمارية الدولية، إلى لحظة الإخلاء على الأرض، متناولًا التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية، وحدود التزام الدولة بالقوانين الوطنية والمعاهدات الدولية المنظمة لنزع الملكية وحق السكان في المشاركة وصناعة القرار، في واحدة من أكثر قضايا التنمية العمرانية إثارة للجدل في مصر اليوم.
بداية الإخلاء القسري
في عام 2015 بدأ الحديث عن تحرك الحكومة المصرية لإقامة مشروع تنموي بمحافظة مطروح، وما صاحبه من حديث عن تهجير سكان رأس الحكمة والقرى المجاورة بطول 50 كم على الشريط الساحلي، حيث صرح محافظ مطروح آنذاك أن هذه الأنباء مغلوطة، مؤكدًا أنه لن يضار أحد من المواطنين ولن يتم تهجيرهم، وأن مخطط التنمية والمساحات المطروحة ستكون خارج حدود المناطق السكنية، كما أشار إلى أن قرار التخصيص الصادر عام 1975 لا يشمل كردونات قرى رأس الحكمة والقواسم والداخلة وضواحيها. إلا أنه بعد عام واحد أعلنت المحافظة تسليم 10 ملايين جنيه كتعويض لعدد 40 أسرة من أهالي رأس الحكمة، بما يثير التساؤل حول تضارب التصريحات الرسمية والتراجع عن وعود الحكومة للمواطنين.
وشهدت المنطقة صباح الأحد 2 مارس 2025، ثاني أيام شهر رمضان، حضور الفريق كامل الوزير، نائب رئيس الوزراء ووزير النقل، برفقة قوات أمنية ومعدات هدم، لإخلاء عدد من المنازل الواقعة ضمن المرحلة الأولى للمشروع، حيث وقعت مواجهات بين بعض الأهالي وقوات الأمن، وأسفرت عن منح السكان مهلة 12 يومًا لإخلاء منازلهم نهائيًا، عقب مفاوضات قادها الوزير بحضور محافظ مطروح ومسؤولين من وزارة النقل.
وكانت الحكومة المصرية قد بدأت تعويض سكان رأس الحكمة منذ عام 2018، بقيمة 150 ألف جنيه للفدان، ثم رُفعت إلى 300 ألف جنيه في عام 2024، مع زيادة بنسبة 30% لمن حصلوا على تعويضات تقل عن 500 ألف جنيه، إلا أن شهادات بعض الأهالي أفادت بوجود تأخيرات في صرف التعويضات، وصعوبات تتعلق بتوفير مساكن بديلة في التوقيت المحدد.
تخطيط مشروع تطوير رأس الحكمة
في 8 أغسطس 2018، وقع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية والهيئة العامة للتخطيط العمراني وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة اتفاقية المساهمة، وأُعلن عن إطلاق مشروع مدينة رأس الحكمة الجديدة، على مساحة تُقدّر بنحو 55 ألف فدان على الساحل الشمالي لمصر، بين مرسى مطروح غربًا والعلمين الجديدة شرقًا. وفي 30 ديسمبر 2018، أُطلق مشروع التخطيط العمراني للمدينة ووُضعت أسسه ومبادئه التصميمية، من خلال أول اجتماع مع التحالف الدولي الفائز المكوّن من شركتي CallisonRTKL البريطانية وDistance Studio Consultants المصرية، بدعم من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية ووزارة الإسكان.
الإعلان عن صفقة رأس الحكمة
أعلنت الحكومة المصرية في الجمعة 23 فبراير 2024 عن إقامة مشروع عمراني برأس الحكمة بمحافظة مطروح بتكلفة تصل إلى 35 مليار دولار، وبحجم استثمارات متوقعة يصل إلى نحو 150 مليار دولار، وذلك في إطار شراكة إماراتية مصرية، تمثل فيها شركة أبو ظبي القابضة الجانب الإماراتي، بينما تمثل هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة الجانب المصري، واعتبرت الحكومة المصرية أن هذه الصفقة تعد أكبر صفقة استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر، وتأتي ضمن إطار قوانين الاستثمار المصرية.
وفي بيان لها عبر موقعها الرسمي، أعلنت شركة أبو ظبي القابضة الإماراتية استحواذها على حقوق تطوير مشروع رأس الحكمة مقابل 24 مليار دولار، مع توقعات باستقطاب استثمارات تتجاوز 150 مليار دولار، إلى جانب استثمار 11 مليار دولار في العقارات ومشروعات رئيسية أخرى في جمهورية مصر العربية، مع احتفاظ الحكومة المصرية بحصة 35% من المشروع، وبدء العمل فيه خلال أوائل عام 2025، باعتباره خطوة محورية لترسيخ مكانة رأس الحكمة كوجهة سياحية ومركز مالي ومنطقة حرة ببنية تحتية عالمية المستوى.
وتبلغ المساحة الإجمالية لمنطقة رأس الحكمة نحو 55 ألف فدان، أي ما يعادل 231 مليون متر مربع، وقد أعلن رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أن شركة أبو ظبي القابضة استحوذت على نحو 170 مليون متر مربع، وهو النصيب الأكبر من أراضي رأس الحكمة، حيث ستقوم الشركة بإنشاء شركة تحت مسمى «رأس الحكمة»، على أن يبدأ تنفيذ المشروع في بداية عام 2025.
تزامن المشروع مع وصول الدين الخارجي بنهاية الربع الأول من عام 2023 إلى 165.4 مليار دولار، بما يعادل 40.3% من الناتج المحلي لمصر، والتزامات سداد بلغت 32.8 مليار دولار خلال عام 2024، مع كون الإمارات أكبر الدول العربية الدائنة لمصر بنحو 11 مليار دولار، وما ترتب على ذلك من استحواذ الشركة القابضة التابعة لحكومة أبو ظبي على نسبة 65% من المشروع مقابل 35% للحكومة المصرية، إلى جانب التنازل عن 11 مليار دولار من ودائع الحكومة الإماراتية لدى البنك المركزي المصري، وضخ 24 مليار دولار أخرى على دفعتين.
الموجودون على أرض المشروع
قال الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري، في كلمته التعقيبية على مشروع رأس الحكمة، إن الحكومة المصرية ملتزمة بتعويض أهالي مطروح “المتواجدين على أرض المشروع” تعويضًا كاملًا نقدًا وعينيًا، مؤكدًا أن الدولة قامت بحصر المتواجدين على الأرض، والمباني، والأراضي الزراعية، وأنها تخطط لإنشاء تجمعات سكنية جنوب الطريق الدولي الساحلي لنقل الأهالي إليها، بما يضمن بقاءهم في محيط المنطقة واستفادتهم المباشرة من فرص العمل والخدمات التي سيوفرها المشروع، مشيرًا إلى أن الحكومة بدأت بالفعل في التفاوض معهم وتسعى لإنهاء هذا الملف في أسرع وقت.
غير أن استخدام رئيس الوزراء لمصطلح “المتواجدين على أرض المشروع” يثير تساؤلات جوهرية حول الصفة القانونية لسكان رأس الحكمة، إذ خلا الخطاب الرسمي من توصيفهم بوصفهم أصحاب حق أو ملاكًا للأرض، كما لم يتطرق إلى الأساس القانوني الذي سيتم من خلاله نزع الملكية أو إعادة توطين السكان. ويزداد هذا الغموض في ضوء أن المشروع كان قيد التخطيط منذ سنوات، وتم توقيع اتفاقية المساهمة الخاصة به عام 2018، في حين لم يتم إشراك السكان أو التفاوض معهم إلا بعد الإعلان الرسمي عن المشروع وتوقيع عقود التطوير.
كما خلت كلمة رئيس الوزراء من الإشارة إلى الأطر القانونية الحاكمة للتعامل مع السكان، وعلى رأسها قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، الذي ينظم إجراءات إعادة التخطيط والتنمية ويكفل حق السكان في الإخطار المسبق والمشاركة وسبل الانتصاف القانونية، فضلًا عن قانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1990، الذي يحدد شروط نزع الملكية للمنفعة العامة وآليات التعويض العادل، إلى جانب التزامات مصر الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يضع تساؤلات إضافية حول مدى توافق ما يجري في رأس الحكمة مع الإطار القانوني والدستوري المنظم لحقوق السكان.
القوات المسلحة تحتفظ بملكية أراضيها
22 يونيو 2020 صدر قرارا جمهوريا برقم 361، بإعادة تخصيص قطع الأراضي فيما بعد ناحية الساحل الشمالي الغربي بإجمالي مساحة نحو 707234.50 فدان لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، لاستخدامها في إقامة مجتمعات عمرانية جديدة، ,وعلى الرغم من أن المادة الثالثة من القرار نصت على الزام كافة الجهات المعنية بالدولة والتي لها أية تصرفات سابقة أيا كان نوعها في المناطق موضوع هذا القرار بتسليم هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة كافة المستندات الموجودة بحوزتها، والمتعلقة بأي تصرف تم قبل صدور هذا القرار، أيا كان الغرض من التصرف، وذلك خلال شهرين من صدور القرار، إلا أن المادة الثانية من القرار أعطت الحق للقوات المسلحة بملكياتها داخل حدود سائر المساحات المبنية المحددة في المادة الأولي.
المخطط الإستراتيجي القومي للتنمية العمرانية 2052
المخطط الاستراتيجي القومي للتنمية العمرانية هو مخطط تم وضعه عام 2014 من قبل الهيئة العامة للتخطيط العمراني ، ويشمل المخطط ثلاثة مراحل عشرية تنتهي بعام 2052، ويهدف المشروع الى أن تصبح مصر دولة متقدمة ومنافسة على المستوى العالمي ذات اقتصادا معرفياً يستثمر قدرات الإنسان وعبقرية المكان والموارد، وتكوين مجتمعاً متوازناً متمسكاً بالهوية الوطنية وبموروثه الثقافي وقيمه الدينية والحضارية، وأن يتمتع فيها المواطنون كافة برغد العيش وجودة الحياة في إطار منظومة بيئية متكاملة ومناخ ديمقراطي دافعاً للتنمية المستدامة والمشاركة المجتمعية الفاعلة.
وفقا لرئيس مجلس الوزراء فإن مخطط التنمية الاستراتيجية 2052 يتضمن تنمية محافظة مطروح ومدينة السلوم الحدودية، ويتضمن المشروع تنفيذ 4 مدن جديدة في منطقة الساحل الشمالي الغربي، وهي رأس الحكمة والنجيلة وسيدي براني وجرجوب، وأن المخطط يتضمن تنفيذ مدن جديدة وليس مجتمعات سكنية فقط، وتوفر المخططات الجديدة مدن تحتوي على ملايين السكان بالإضافة لتوفير حياة معيشية تليق بالمواطن المصري، كما ستوفر ملايين فرص العمل.
شركة أبو ظبي التنموية القابضة
تأسست شركة أبو ظبي التنموية القابضة عام 2018 بموجب القانون رقم (2) لسنة 2018 كشركة إماراتية مساهمة عامة، ونقلت حكومة أبو ظبي ملكية أسهمها في شركات “توفور54، والاتحاد للقطارات، الشركة الوطنية للضمان الصحي (ضمان)، المؤسسة العليا للمناطق الاقتصادية المتخصصة (Zones Corp)، شركة أبوظبي للخدمات الصحية (صحة)، أبوظبي للطاقة (AD Power)، أبوظبي للمطارات (أداك)، مجموعة موانىء أبوظبي، شركة أبوظبي للإعلام (ADM)، أبوظبي لخدمات الصرف الصحي (ADSSC)، أبوظبي الوطنية للمعارض (ADNEC)، أبوظبي للخدمات العامة – مساندة، شركة الجرافات البحرية الوطنية، القابضة العامة (صناعات)، شركة مياه وكهرباء الإمارات (EWEC)، إيمج نيشن أبوظبي، سوق أبوظبي للأوراق المالية (ADX)، مؤسسة الإمارات للطاقة النووية (ENEC)، ” إلى الشركة “القابضة”، ثم أعلنت الشركة عن شراكتها مع صندوق مصر السيادي (TSFE)، وفي عام 2019 أنشأت الشركة مكتبها في مصر بناءً على منصة الاستثمار الإستراتيجية بقيمة 20 مليار دولار أمريكي التي تم إطلاقها في عام 2019 والتزام “القابضة” (ADQ) بالاستثمار في النمو الاقتصادي للبلاد.
استحوذت شركة أبو ظبي التنموية القابضة على حصص في 5 شركات مصرية عام 2022 بنحو 1.8 مليار دولار، “أبوقير للأسمدة” بنحو 21.5%، و20% من أسهم مصر لإنتاج الأسمدة “موبكو”، و32% من أسهم الإسكندرية لتداول الحاويات ، ونحو 17% من أسهم “البنك التجاري الدولي”، و 12.6% من أسهم”فوري”، وفي عام 2023 استحوذت الشركة على حصص في 3 شركات مصرية أخري بقيمة 800 مليون دولار “25 %من الحفر الوطنية، ونحو 30 %من شركة إيثيدكو، بالإضافة إلى 35 %من الشركة المصرية لإنتاج الألكيل بنزين الخطي (إيلاب)”، وفي يناير 2024 أعلنت شركتي القابضة وادنيك الاماراتيين استحواذهما على حصة 40.5% في أعمال الضيافة التابعة لمجموعة طلعت مصطفى القابضة المصرية.
في سياق عمليات التنمية العمرانية في مصر، كثيرًا ما تتخذ الحكومة قراراتها بصورة منفردة دون اعتبار كافٍ لحق المواطن في مسكن آمن وملائم، حيث تتشابه العديد من مشروعات التنمية في قيامها على أنقاض منازل المواطنين، بما يثير تساؤلات حول احترام حقوقهم القانونية والإنسانية. وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري، مع الإعلان عن أي مشروع تنموي، بحث أوضاع سكان المناطق المستهدفة، خاصة في ظل مخطط مصر 2052 الذي أعلنت فيه الحكومة عن التوسع في إقامة تجمعات عمرانية جديدة لاستيعاب الزيادة السكانية.
ويبرز غياب شفافية المعلومات كإحدى السياسات العامة التي تنتهجها الحكومة المصرية في تعاملها مع الرأي العام، فعلى الرغم من إعلان رئيس مجلس الوزراء عن حصر السكان والمباني والأراضي بمختلف استعمالاتها في رأس الحكمة، لم يتم حتى الآن الإفصاح رسميًا عن التعداد السكاني للمنطقة أو حجم المتضررين، فضلًا عن صعوبة الوصول إلى المعلومات عبر المواقع الحكومية، وهو ما يعمّق من حالة تهميش المواطنين ويقوض حقهم في المعرفة والمساءلة.
ويأتي هذا التهميش في سياق أوسع من تعامل الحكومة مع المواطنين بوصفهم غير مؤهلين للمشاركة في اتخاذ القرار، واستمرارًا لسياسات فرض الأمر الواقع بالقوة، خاصة في مشروعات التنمية العمرانية، حيث شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة إخلاءات قسرية وطردًا للأهالي من منازلهم دون سند قانوني في مناطق إعادة التخطيط والمناطق غير المخططة، كما حدث في جزيرة الوراق ونزلة السمان وعين الصيرة، ويتكرر حاليًا في ضاحية الجميل غرب محافظة بورسعيد، عقب إنهاء عقود حق الانتفاع من جانب واحد وهدم المنازل بالإكراه تحت حماية قوات الأمن.
وفي الوقت الذي تبذل فيه الدولة جهودًا كبيرة لتعزيز التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات، وهي جهود ضرورية لتحسين الأوضاع الاقتصادية وتوفير فرص العمل، يظل غياب التوازن بين التطوير الاقتصادي واحترام حقوق المواطنين أحد أبرز التحديات. فالتنمية لا ينبغي أن تأتي على حساب تشريد السكان أو تهميشهم، بل يجب أن تقوم على التشاور الفعّال مع المجتمعات المحلية، وتقديم البدائل والحلول قبل الشروع في التنفيذ، واحترام حق السكان في المشاركة وصناعة القرار، بما يضمن تحقيق تنمية عمرانية مستدامة وعادلة، وهو ما لا يتطلب سوى التزام الدولة بقوانينها الداخلية ومعاهداتها الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان