بين أحلام عمال المحلة بحياة كريمة، وقرار رئيس الجمهورية بناء سكن لكل المصريين، واستثمارات رجال الأعمال، تتمحور حكاية سكان المستعمرة بمدينة المحلة الكبري، الذين فقدوا منازلهم منذ سنوات وفي انتظار سكن ملائم.
“إحنا مش شايفين تطوير…. إحنا شايفين دهان من بره وخراب من جوه، ووعود بتتغير كل يوم”، بهذه الكلمات تختصر نها المنيسي إحدى سكان منطقة “المستعمرة” بالمحلة الكبرى، حكاية أكثر من ثلاث سنوات من الانتظار والقلق، تعيشها نحو 65 أسرة ما زالت متمسكة بالبقاء، في قلب المنطقة التي كانت يومًا ما مجتمعًا عماليًا متكاملًا يضم مئات الأسر المرتبطة بمصانع الغزل والنسيج، لم يتبق اليوم سوى عمارات قليلة مأهولة، تحاصرها مساحات واسعة من الهدم والفراغ، وتغيب عنها الخدمات الأساسية وشعور الأمان. بينما اختارت نحو 685 أسرة المغادرة بعد حصولها على تعويضات مالية، قد تكون غير عادلة لكنها توفر الكثير من النزاعات عليهم.
ومع مرور الوقت، تباعدت المسافة بين ما أُعلن من خطط للتطوير، وما تحقق فعليًا على أرض الواقع. وعلى الرغم من إعلان محافظة الغربية في أغسطس 2025 عن استئناف العمل في ترميم 3 عمارات تضم 109 وحدة سكنية، إلا أن غياب جدول زمني واضح، وبطء سير الأعمال، والتصريحات الرسمية المتضاربة لا زالت هي سيد الموقف حتى تاريخ كتابة هذا التقرير في أبريل 2026.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد من تأخر التنفيذ، وبطء سير العمل، بل تحولت أزمة “المستعمرة” إلى قضية أوسع تتقاطع فيها اعتبارات الحق في السكن الملائم، والعدالة الاجتماعية مع حسابات الاستثمار وقيمة الأرض، في وقت تتصاعد فيه تساؤلات حول مصير المشروع ككل، خاصة مع طرح أجزاء من الأرض لمشروعات استثمارية كبرى. وفي إطار ذلك، ينطلق هذا التحقيق لتوضيح أبعاد هذه الأزمة، ورصد تطوراتها الزمنية، وما آلت إليه أوضاع الأوضاع في المستعمرة حتى اللحظة الراهنة.
المستعمرة، المدينة العمالية
المستعمرة هي أحد مناطق مدينة المحلة الكبري بمحافظة الغربية، وترجع جذورها إلى الاحتلال البريطاني في أوائل القرن العشرين، حين أُنشئت كمساكن للعمال والقوات العاملة في مصانع الغزل والنسيج على مساحة 69 فدانًا، ومن هنا جاءت التسمية نسبة إلى كلمة (colony). بدأت النواة الأولى في 1941 لإيواء المتضررين من الحرب العالمية الثانية، ثم خصصت عام 1945 لعمال الشركة، لتتحول عبر عقود إلى مدينة سكنية متكاملة تضم وحدات متعددة الطوابق وأحادية، ومساجد، مدارس، حدائق، ومرافق خدمية. ثم انتقلت ملكية المباني رسميًا للشركة في 1976، بعد أن سُدد ثمنها من حصص أرباح العمال، ما جعل المستعمرة رمزًا للهوية العمالية والاجتماعية بالمحلة، قبل أن تواجه تهديدات التطوير والطرد في السنوات الأخيرة..
تفاصيل الأزمة
تمتد المستعمرة على مساحة حوالي 69 فدانًا، ما يجعلها واحدة من أكبر الكتل السكنية ذات الموقع المركزي داخل مدينة المحلة، خاصة في ظل عدم وجود ظهير صحراوي للمدينة، ومجاورتها مباشرة لمنطقة “الشعبية” أحد أغلي مناطق المحلة، وهو ما يفسر تصاعد قيمتها العقارية، ونشوء المشكلات حولها، وتهديد أسرها بالطرد منذ حوالي 20 عاما .
واجهت المستعمرة اشكالية المدن العمالية، والتي تتمثل في قيام الشركة المالكة للسكن بمطالبة العمال بترك منازلهم عند وصولهم سن المعاش، على الرغم من أن العمال تحملوا ثمن هذه الوحدات طول فترة خدمتهم، وعلى الرغم من صدور أحكام قضائية تعود لعام 1996 بعدم طرد العمال من مساكنهم بعد انتهاء خدمتهم، إلا بعد توفير سكن بديل، بل وأحقية الورثة في وراثة الوحدة السكنية بعد آبائهم، إلا أن شركة المحلة للغزل والنسيج لم تلتفت الى هذه الأحكام، ورفعت قضايا على السكان بحرمان الشركة من الانتفاع، وحصلت على أحكام ضدهم ومطالبتهم بسداد ريع للشركة، وصل الى 350 ألف جنيه، ونتيجة عدم القدرة على الدفع صدرت أحكام بالتبديد والحبس ضد السكان.
كانت الشركة في السابق توفر بدائل سكنية للعمال بعد بلوغهم سن المعاش من خلال إنشاء مساكن بمنطقة “منشية مبارك”، إلا أن هذا النظام توقف لاحقًا، ليجد السكان أنفسهم مهددين بالإخلاء دون توفير بديل واضح، وبالتوازي مع هذه التحركات القضائية ضد السكان، رفعت الشركة يدها تدريجيًا عن صيانة المنطقة؛ فحتى عام 2010 كانت أعمال الصيانة تُجرى بشكل دوري، قبل أن تتوقف، مع سحب عمال النظافة وإهمال المرافق العامة، ما أدى إلى تدهور الخدمات، وتلوث المياه، والانقطاع المتكرر للكهرباء، واضطرار السكان لتحمل أعمال الصيانة بأنفسهم.
وفي توثيق سابق لديوان العمران مع سكان المستعمرة عام 2019، قالوا أن محافظة الغربية قد طرحت في عام 2009 مخططًا لتطوير المنطقة، تضمن إنشاء نحو 5448 وحدة سكنية للعمال داخل المستعمرة، وهو المقترح الذي لقي موافقة السكان آنذاك، قبل أن يتوقف تنفيذ المشروع عقب ثورة يناير 2011، ثم نُشر لاحقا أن شركة مصر للغزل والنسيج رفضت التنازل عن الأرض لمحافظة الغربية للبدء في تنفيذ المشروع,
في ديسمبر 2022، اُدرجت المنطقة رسميا ضمن خطط التطوير العمراني، في إطار توجه الدولة لإعادة تخطيط المناطق ذات القيمة الاستراتيجية داخل المدن، حيث صدر قرار رئيس الجمهورية رقم (578) لسنة 2022، وذلك بتخصيص مساحة (47.96 فدانًا) بما يعادل 201500 م2 ناحية المحلة الكبرى، بالغربية (المستعمرة) لصالح صندوق التنمية الحضرية وذلك لاستخدامها في مشروع التطوير العمراني لعواصم المحافظات والمدن الكبرى (سكن لكل المصريين)
الإخلاء القسري
في نوفمبر عام 2022، تقدم النائب أحمد بلال البرلسي، عضو مجلس النواب عن دائرة المحلة، بطلب إحاطة بشأن المستعمرة، جاء فيه “أن محافظة الغربية قامت بتنفيذ أعمال هدم مباني في منطقة المستعمرة بالمحلة الكبرى لترويع المواطنين وإجبارهم على إخلاء وحداتهم والقبول بالتعويض المادي بدلا من البديل السكني، حيث طُلب من السكان إخلاء وحداتهم مقابل تعويض مالي قُدّر بنحو 205 آلاف جنيه لكل أسرة، أو الحصول على وحدات بديلة لاحقًا”.
بناء على هذا التعامل الذي يعد انتهاك قانونيا، وأحد أوجه الاخلاء القسري، غادرت نحو 685 أسرة من أصل نحو 750، بينما تمسّكت نحو 65 أسرة بالبقاء، اعتمادًا على وعود رسمية بالعودة إلى وحدات مطورة داخل نفس الموقع.
في إطار ذلك أشار المهندس عبد القادر الديب أحد السكان بالمستعمرة، في حديثه لديوان العمران إلى أن قيمة الوحدة البديلة كانت تُقدّر بحوالي 720 ألف جنيه، وكان مبلغ التعويض بمثابة مقدم يُخصم من قيمة الوحدة الجديدة للمتمسكين بالسكن، مضيقًا أن الأهالي لم يعارضوا التطوير من الأصل، لكن التراجع في الجدول الزمني ونقص الشفافية خلق حالة من القلق الدائم.
وحول ذلك أوضح المنيسي محمد لديوان العمران، أن جزءًا منهم رفض التعويض المالي وتمسك بحق العودة، بناءً على وعود بالحصول على وحدات بديلة في نفس الموقع، قائلاً: “إحنا وافقنا نقعد عشان ناخد شقق في نفس المكان، وده اللي خلانا نتمسك، لكن لحد دلوقتي مفيش تنفيذ حقيقي”، لافتًا إلى أن التقديرات القديمة لسعر الوحدات لم تعد واقعية في ظل ارتفاع أسعار السوق، حيث قال: “زمان كانوا بيقولوا الشقة ب ـ750 ألف، دلوقتي ممكن توصل ل 4 أو 5 مليون”.
مع خروج غالبية السكان من المستعمرة، بدأت عمليات هدم واسعة طالت معظم المباني، لتتحول المنطقة تدريجيًا إلى فضاء شبه مهجور، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأسر المتبقية، التي وجدت نفسها تعيش في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان والخدمات. ومع تراجع الكثافة السكانية، تصاعدت مشكلات السرقة وتخريب شبكات المرافق، بينما اضطر السكان لتحمل تكاليف الإصلاح بشكل فردي، وتشير (و. أ) إحدى الساكنات بالمستعمرة إلى ذلك بقولها “المستعمرة بقت خرابه والترويع لينا كل يوم، عشان الهدم ده جلب لنا الحرامية من كل مكان، احنا الحرامي دخل عندنا العمارة من أسبوع بكل بجاحه سرق حاجات من قدام باب الشقة ورماها من شباك السلم في عز الضهر”.
تخبط المخططات وبطء التنفيذ
بالتوازي مع أعمال الهدم، والضغط على السكان لقبول التعويضات الضئيلة بحسب السكان، فإن هناك حالة أخرى من المصير غير المعلوم للسكان الذين قرروا البقاء، تتمثل في عدم إعلان مخطط زمني واضح للانتهاء من المشروع، فضلا عن ماهية المشروع من الاساس، هل سيكون ضمن مشروع سكن لكل المصريين كما نص قرار رئيس الجمهورية، أم سيكون كومباوند استثماري موجهة إلى طبقة الأغنياء؟
تكشف روايات السكان عن تضارب واضح بين ما هو معلن، وما هو قائم ويُخطط له. فبحسب ما رواه المهندس عبد القادر الديب لديوان العمران في شأن ذلك قائلًا “في البداية قيل لنا إن التطوير سيشمل عمارتي 8 و9 في البوابة الثالثة، وأكد المسؤولون حينها أن هذه المباني بحالة جيدة جداً ويمكنها الصمود مائة أو مائتي سنة أخرى، ثم تغير المقترح، ليصبح التسكين في العمارة 9 بجانب العمارتين 1 و2، المشكلة الكبرى أن المسافة بين المواقع كبيرة، في العمارة 9 في البوابة الثالثة، بينما العمارتين 1 و2 تقعان بالقرب من البوابة الأولى، وتفصل بينهما مساحة تقدر بنحو 70 فداناً”. وتضيف نها المنيسي، أن حالة عدم الاستقرار لا تقتصر على البنية التحتية، بل تمتد إلى غياب وضوح الرؤية بشأن خطة التطوير نفسها، قائلة: “كل شوية كلام يتغير… مرة يقولوا العمارات 1 و2 و9، وبعد كده يبقوا 1 و2 بس، مفيش حاجة ثابتة وكل مسؤول بيغير قرار اللي قبله”.
وفي شهادة حية تعكس واقع الأزمة على المستوى التنفيذي، يشير المنيسي محمد، أحد المقيمين بالمنطقة لـ ديوان العمران، أن الأزمة تفاقمت مع بطء التنفيذ وتوقف الأعمال لفترات طويلة، قائلاً: “الشغل ماشي بخطوة السلحفاة… بل أبطأ كمان، بقالنا أكتر من 3 سنين في نفس الوضع، والشركة اللي دخلت من سنتين تقريبًا ما أنجزتش حاجة تُذكر”، مضيفًا أن السبب الرئيسي الذي يتردد بين العمال هو نقص التمويل: “كل ما نسأل المهندسين يقولوا مفيش فلوس، المحافظة ما بتصرفش مستحقاتهم”. وأضافت نها المنيسي، إحدى الساكنات، تفاصيل ما يجري على الأرض، مؤكدة أن أعمال الترميم الجارية لا تعالج جذور المشكلة بقدر ما تكتفي بمظاهر شكلية. تقول: “اللي بيحصل ده ترميم من على الوش بس… دهان من بره بالألوان عشان يبان إن العمارات شكلها حلو، لكن من جوه مفيش حاجة اتعملت لحد دلوقتي، لا مواسير اتغيرت ولا بنية تحتية اتصلحت”، مشيرة إلى أن المباني تعاني من تدهور مزمن منذ عقود، حيث تعود نشأتها إلى نحو 50 عامًا، مع استمرار أزمات الصرف والكهرباء دون حلول جذرية.
على الرغم من إعلان محافظ الغربية في أغسطس 2025، استئناف أعمال ترميم ورفع كفاءة عمارات المستعمرة أرقام (1، 2، 9)، التي تضم 109 وحدة سكنية، وذلك بعد تذليل كافة المعوقات بالتنسيق مع صندوق التنمية الحضرية الجهة المنفذة للمشروع. إلا أن الواقع يكشف عن عدم وقوع أي جديد، حيث قدّم النائب أحمد بلال البرلسي ، في يناير 2026، طلب إحاطة آخر حول تأخر تطوير منطقة المستعمرة وتشريد 65 أسرة اختارت السكن البديل.
الجهات الحكومية تتبرأ من المشروع (الموضوع برانا تماما)
وقد حاول “ديوان العمران” الحصول على رد من محافظة الغربية عبر المسؤول الإعلامي محمد العيسوي، الذي طلب إرسال الأسئلة عبر “واتساب”، ورغم إرسال الأسئلة والمتابعة المتكررة، جاء الرد بالاعتذار عن الإدلاء بأي تصريحات حاليًا، معللاً ذلك بمخاطبة الجهات المعنية للحصول على رد، وهو الرد الذي لم يصل حتى ساعة نشر هذا التقرير.
ومع سعي “ديوان العمران” للحصول على رد رسمي نهائي وتفصيلي حول الجدول الزمني والميزانية المرصودة عقب تصريحات المحافظ، تواصلنا مع صندوق التنمية الحضرية؛ حيث نفت المتحدثة الرسمية صدور أي بيانات رسمية عن الصندوق تؤكد استئناف العمل بالصيغة التي أعلنتها المحافظة.
وأشارت أميرة فهيم، المتحدث الرسمي باسم صندوق التنمية الحضرية، إلى أن الدور الحالي للصندوق يتركز في “المرحلة الحرجة” وهي ترميم العمارات المتهالكة لضمان صلاحيتها الإنشائية، مؤكدة أن أي تفاصيل تتعلق بمشروعات مستقبلية أو توسعات عمرانية هي محل دراسة لدى الجهات المختصة، وأضافت “فهيم” حينها: «نحن ملتزمون بالشفافية مع الأهالي، لكن حتى هذه اللحظة لا تتوافر لدينا خطة تنفيذية جاهزة للمرحلة التالية»، موضحة أن أي خطوات تطوير مقبلة تستوجب تنسيقاً كاملاً مع الجهات المسؤولة عن التخطيط العمراني بالمحافظة. حيث قالت المتحدثة “إن ملف المستعمرة بوضعيته الراهنة وتعقيداته القانونية والمالية يقع تماماً خارج نطاق مسؤولية الصندوق (برانا تماماً) في الوقت الحالي”.
صراع الإسكان الاجتماعي والكومباوند الاستثماري
في نوفمبر 2025، دخلت الأزمة مرحلة جديدة مع الإعلان عن طرح جزء كمشروع استثماري متكامل، فمع أول تصريح رسمي من المهندس خالد صديق، الرئيس التنفيذي لصندوق التنمية الحضرية، أعلن عن فوز شركة Delta Capital for Urban Development بحق تطوير 48 فدانًا من أرض المستعمرة لإقامة مشروع عمراني متكامل يضم وحدات سكنية وتجارية، وقد أثار هذا الإعلان تساؤلات حول طبيعة المشروع، وهل سيكون استثماريًا مغلقًا أم جزءًا منه مخصصًا للإسكان الاجتماعي؟
للاجابة على هذا التساؤل، تواصل ديوان العمران مع (ه.ج) إحدى المسؤولات عن الحجز بالمشروع في شركة دلتا كابيتال، لتأتي الرواية مناقضة تماماً لما يأمله الأهالي، حيث قالت إن الشركة حصلت بالفعل على قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 48 فداناً داخل منطقة المستعمرة، وهي قطعة أرض ذات شكل مستطيل، وأوضحت المسؤولة: “تستهدف الشركة إقامة مشروع عمراني متكامل؛ حيث سيتم تخصيص جزء من المساحة لإنشاء كمبوندات سكنية تتوسطها مساحات خضراء، إلى جانب حمامات سباحة وبحيرات صناعية، لتوفير نمط سكني حديث، أما بقية مساحة الأرض، فستُخصص لإقامة عمارات سكنية مطلة على شارع البحر مباشرة، ما يمنح المشروع واجهة على أهم شوارع المدينة”.
وحول ما تردد عن الإسكان الاجتماعي، كانت المسؤولة حاسمة: “المشروع لا يتضمن وحدات للإسكان الاجتماعي أو الاقتصادي، وهذه المعلومات جرى الترويج لها في سياقات انتخابية سابقة لكنها لا تعكس طبيعة المشروع الفعلية، وبسبب الجدل الذي أُثير مؤخراً حول المشروع، قررت الشركة تأجيل البدء في التنفيذ إلى نهاية العام الجاري لحين استقرار الأوضاع ووضوح الصورة أمام الرأي العام”.
ختامًا
هكذا، تحولت أزمة “المستعمرة” من مشروع تطوير عمراني إلى قضية مركبة تتداخل فيها اعتبارات التخطيط مع حسابات الاستثمار، وتتصادم فيها حقوق السكان مع منطق السوق، في ظل غياب رؤية تنفيذية واضحة قادرة على حسم مستقبل المنطقة وسكانها.
وبذلك لا تبدو أزمة “المستعمرة” مجرد تعثر في مشروع تطوير عمراني، بقدر ما تكشف عن لحظة فارقة يتقاطع فيها التخطيط مع السياسة، والاقتصاد مع العدالة الاجتماعية. فبين أرضٍ تحولت إلى أصل استثماري بمليارات الجنيهات، وسكانٍ ينتظرون منذ سنوات حقهم في سكن آمن ومستقر، تتكشف فجوة عميقة بين خطاب “التطوير” وواقع “الإزاحة”. وبينما تتبادل الجهات المسؤولية، وتظل الخطط معلقة أو متغيرة، يبقى السكان وحدهم في مواجهة يومية مع القلق وعدم اليقين.
وتطرح هذه الأزمة أسئلة تتجاوز حدود المستعمرة: هل يُقاس نجاح التطوير العمراني بقيمة الاستثمار أم بقدرة المشروع على حماية سكانه الأصليين؟ ومن يملك الحق في المدينة: من يسكنها أم من يستطيع شراءها؟ وهل يمكن تحقيق توازن حقيقي بين اعتبارات الربح ومتطلبات العدالة الاجتماعية؟ ثم السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كان التطوير يعني في نهايته إقصاء من صمدوا وانتظروا، فهل نحن أمام إعادة بناء للمدينة… أم إعادة توزيع غير عادل لحق السكن داخلها؟